September 27th, 2022

آخر الأخبار

news

هل تستطيع روسيا تقسيم أوروبا؟ لماذا السلام الزائف يمكن أن يكون أسوأ من حرب طويلة/ ناتالي توكي، مديرة معهد “أفاري” الدولي- روما /الفورين أفيرز 5 اب/اغسطس 2022 / نقله إلى العربية د. محمــد ســعد

في 26 تموز/يوليو، أعلن الإتحاد الأوروبي عن إتفاق في مجال الغاز يهدف إلى إظهار عزم الدول الأعضاء على حل معضلة إعتمادهم المستمر على روسيا: وفقاً للإتفاقية، ستخفض دول الإتحاد الأوروبي إستهلاك الغاز بنسبة 15 في المائة بين آب/أغسطس 2022 وآذار/مارس 2023، لمنع حدوث أزمة في الشتاء من خلال إظهار التضامن والحد من قدرة روسيا على تسليح إمدادات الطاقة في أوروبا. ظاهرياً، كان هذا في الغالب دليلاً إضافياً على الجبهة الموحدة التي حافظت عليها القارة منذ بداية الحرب. ومع ذلك، فإن التخفيضات طوعية، وبالتالي فأن إقتطاعات الدول كل على حدا تطرح تساؤلات حول جدوى الصفقة، خاصة عندما يؤثر نقص الغاز على بعضها أكثر بكثير من بعضها الآخر.
بعد ستة أشهر من الغزو الروسي لأوكرانيا، هناك مؤشرات على أن أوروبا تكافح من أجل الإستمرار في مسار حرب مكلفة بشكل متزايد. ومع إرتفاع التضخم، وأزمة الطاقة المتصاعدة، والتهديد المتزايد بالركود، أصبح القادة الأوروبيون يتحدثون بشكل متزايد حول التداعيات الإجتماعية والإقتصادية للصراع وآثاره السياسية والجيوسياسية. وفي الوقت عينه، هناك توترات محتدمة حول كيفية التعامل مع الحرب. ألمانيا، على سبيل المثال، تباطأت بشأن شحنات الأسلحة الموعودة إلى أوكرانيا. في إيطاليا، حيث سقطت الحكومة الإئتلافية لرئيس الوزراء ماريو دراجي، هناك معارضة سياسية متزايدة للدعم العسكري لكييف في أوساط الأحزاب الشعبوية فيها. وعلى الرغم من الموافقة على خمس حزم من العقوبات بسرعة البرق، فقد أمضى الأوروبيون أسابيع في المشاحنات بشأن حزمة سادسة تستهدف النفط الروسي، والتي أوقفها رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، الحاكم المستبد داخل الإتحاد الأوروبي.
وسط هذه التحديات، يلوح في الأفق سؤال كبير حول المدة التي يمكن أن تستمر فيها الوحدة الأوروبية حيال الحرب وما الذي قد يتسبب في إنهيارها. في الواقع، قد لا يكون أكبر تهديد للتحالف الأوروبي هو عدم إحراز تقدم في إنهاء العنف المتصاعد في أوكرانيا، كما كان الحال حتى الآن، ولكن الهدوء النسبي في الصراع، والذي قد يسمح لموسكو بإغراء بعض دول الإتحاد الأوروبي في الضغط على كييف لتقديم تنازلات، خاصة إذا استمر تفاقم أزمة الطاقة. ومن المفارقات، أنه من خلال الإستسلام لوهم السلام، يمكن أن ينتهي الأمر بأوروبا والغرب إلى إطالة أمد الحرب على حساب الجميع.
عودة الشعبوية
خلال المرحلة الأولى من الحرب، أظهر الإتحاد الأوروبي تصميماً رائعاً. فقد تمكن في غضون أسابيع من الموافقة على أكثر العقوبات بعيدة المدى التي تم تنفيذها على الإطلاق. سرعان ما زادت الحكومات الأوروبية إنفاقها في مجال الدفاع، حيث أعلنت ألمانيا عن مبلغ مذهل قدره 100 مليار يورو في الإنفاق العسكري الإضافي، ويسهل الإتحاد الأوروبي نقل الأسلحة إلى طرف ثالث لأول مرة. وافقت أوروبا أيضاً على منح حماية مؤقتة لملايين المواطنين الأوكرانيين، بما في ذلك حرية التنقل والعمل في جميع أنحاء الإتحاد الأوروبي. وفي حزيران/يونيو، منح المجلس الأوروبي رسمياً وضع كل من أوكرانيا ومولدوفا وضعية المرشح في الإتحاد الأوروبي، فضلاً عن منح جورجيا وضعية مرشح محتمل، في إنتظار الإصلاحات. خلال معظم فصل الربيع، بدا أن الديناميكية الجديدة تؤكد إدعاء المستشار الألماني أولاف شولتز بأن الغزو الروسي كان Zeitenwende”” (كلمة ألمانية تعني نقطة تحول)، نقطة تحول، وأن الأوروبيين كانوا مستعدين لمواجهة التحدي.
لكن الزخم في بروكسل تضاءل منذ ذلك الحين. على الرغم من أن دول الإتحاد الأوروبي وافقت في النهاية على حظر نفطي على روسيا، على سبيل المثال، إلا أنه سيحدث بفارق زمني قد يسمح لروسيا بالتكيف. وعلى الرغم من إتفاقية الغاز الأخيرة بشأن توفير الطاقة، فإن حظر الغاز الحقيقي لا يلوح في الأفق. في الواقع، بدلاً من حظر الغاز الذي يفرضه الإتحاد الأوروبي على روسيا، فإن موسكو هي التي أوقفت إمداد أوروبا بالغاز. ثم قاطعت ست دول هي – بلغاريا والدنمارك وفنلندا ولاتفيا وبولندا وهولندا – الإمداد الروسي. علاوة على ذلك، خفضت شركة غازبروم المملوكة للدولة الروسية من تدفق الغاز بشكل كبير إلى بقية أوروبا. نوردستريم 1، وهو أكبر خط أنابيب ينقل الغاز الروسي إلى أوروبا والمملوك في الغالب لشركة غازبروم، تم إغلاقه مؤقتاً في تموز/يوليو للصيانة. وقد أعيد إفتتاحه منذ ذلك الحين، لكن صادرات الغاز تراجعت إلى 20 في المائة من الكميات المتفق عليها، مع توقع مزيد من الإضطرابات في الأفق. بدلاً من الإتفاق على عقوبات جديدة، يسعى الإتحاد الأوروبي إلى معالجة مشكلة تخزين الغاز في العديد من البلدان ويكافح من أجل تقنين الإستخدام. لتنويع إمداداته، يسعى إلى شراكات جديدة في مجال الطاقة مع الولايات المتحدة والشرق الأوسط وإفريقيا والقوقاز. ويقدر صندوق النقد الدولي أنه في حالة القطع الكامل للغاز الروسي عن أوروبا، فإن إقتصادات بعض البلدان – بما في ذلك التشيك والمجر وسلوفاكيا وإيطاليا – يمكن أن تنكمش بأكثر من خمسة بالمائة. سيكون شتاءً بارداً ومكلفاً.
بدأت الضغوط الإقتصادية المتزايدة بالفعل في إحداث عواقب مقلقة في السياسة الأوروبية. في بلدان مثل إيطاليا وفرنسا، تستخدم الأحزاب القومية الشعبوية واليمينية تكاليف الحرب لحشد الدعم الشعبي. وهم يجادلون بأنه من خلال معاقبة روسيا وتبني الأجندة الخضراء، تعمل الحكومات الأوروبية ومؤسسات الإتحاد الأوروبي على تغذية التضخم وتفريغ الصناعة وتدمير الوظائف. إنها رسالة تم تضخيمها أيضاً في وسائل الإعلام الرئيسية. بالفعل في الإنتخابات الرئاسية الفرنسية في نيسان/أبريل، كان أداء الأحزاب اليمينية واليسارية المتطرفة قوياً – وهي النتيجة التي تكررت في الإنتخابات البرلمانية في حزيران/يونيو. كان الأمر الأكثر دراماتيكية هو سقوط دراجي في إيطاليا في تموز/يوليو، بعد أن سحبت الأحزاب الثلاثة ذات العلاقات الوثيقة مع الكرملين دعمها للحكومة الإئتلافية التي كانت جزءاً منها.
قد تكون هذه الأحداث مجرد مقدمة لما سيأتي. أخذ العديد من الأحزاب الشعبوية إشاراتهم من كتاب قواعد اللعبة في الكرملين، وقد تبنوا خطاباً يناقض نواياهم الفعلية. بدلاً من الإعتراف بأنهم يريدون إلقاء أوكرانيا تحت الحافلة، يقول قادة الأحزاب الشعبوية مثل الإيطالي ماتيو سالفيني إنهم يؤيدون السلام والتسوية والدبلوماسية. تعرض الشعبويون لضربة مؤقتة مع الوباء لأن روايتهم غير المتشددة تركت الأوروبيين غير متأثرين إلى حد كبير. لكن حرب أوكرانيا، إلى جانب أزمة الطاقة، منحتهم فرصة مثالية للصعود مرة أخرى. بمرور الوقت، يمكن لهذه الديناميكية أن تخلق طفرة جديدة في الشعبوية القومية التي يمكن أن تعرض للخطر ليس فقط الوحدة الأوروبية ولكن وجود الاتحاد الأوروبي ككل.
الإنقسامات القارية
الأمر الأكثر إثارة للقلق بالنسبة لأوروبا هو عودة الإنقسامات الجيوسياسية القديمة. الأول هو الإنقسام المتزايد بين شرق القارة وغربها، حيث تدعو الدول الواقعة على حدود أوكرانيا، مثل دول البلطيق وبولندا، إلى العدالة من خلال العقوبات والدعم العسكري القوي لأوكرانيا، والدول في أوروبا الغربية، مثل إيطاليا وفرنسا، وألمانيا، تميل نحو التسوية مع روسيا. ومن الأمثلة على ذلك تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المثيرة للجدل في حزيران/يونيو بشأن أهمية عدم إذلال روسيا بينما كانت المدفعية الروسية تقصف أوكرانيا. مع تعمق أزمات الطاقة والإقتصاد، من المرجح أن تضغط البلدان البعيدة عن خط المواجهة من أجل التراجع عن الحرب. من المحتمل أن يظل قادة أوروبا الشرقية، على الرغم من أن بلدانهم تعاني أيضاً من التداعيات الإقتصادية، راسخين في إقتناعهم بأن السلام ممكن فقط عندما تنجح أوكرانيا بطرد القوات الروسية من أراضيها وتحمل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المسؤولية عن عدوانه.
يمتد الإنقسام الثاني بين الشمال والجنوب، وهو الإنقسام الذي كاد يمزق منطقة اليورو خلال أزمة الديون السيادية قبل عقد من الزمان. مع إحتمال حدوث ركود مصحوباً بالتضخم على المدى القريب، فإن الفرق في تكاليف الإقتراض بين الدول الأعضاء في شمال وجنوب الإتحاد الأوروبي – لا سيما بين ألمانيا وإيطاليا – آخذ في الارتفاع. فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، التي لديها مجال أقل للمناورة المالية لمواجهة الركود، تدعو إلى مبادرة جديدة من بروكسل لزيادة صندوق التعافي في مرحلة ما بعد الوباء في أوروبا والمساعدة في التعامل مع التكاليف الإقتصادية للحرب، بما في ذلك التكاليف الباهظة. كما شهدت ألمانيا تضاعفاً لأسعار الطاقة فيها بثلاث مرات، وبسبب إعتمادها الكبير على الغاز الروسي، أصبحت أكثر عرضة لإبتزاز روسيا في مجال الطاقة من أعضاء الإتحاد الآخرين، من غير المرجح أن تدعم مثل هذه الخطوة. ومن المرجح أن تدعو الحكومة الألمانية أعضاء الإتحاد الأوروبي الآخرين للمساعدة في تخفيف أزمة الطاقة في ألمانيا، بدلاً من توفير مواردها المالية الخاصة لمساعدة الدول الاعضاء التي تواجه الأزمات الإقتصادية. لا عجب في أن ألمانيا أيدت بقوة إتفاقية الإتحاد الأوروبي لتوفير الغاز في تموز/يوليو.
هذه الإنقسامات هي بالضبط ما كان يأمل فيه بوتين. وإقتناعاً منه بأن الديمقراطيات الليبرالية في أوروبا ضعيفة وفاسدة أخلاقياً، إعتمد الزعيم الروسي على إفتراض أن وحدة الغرب بشأن أوكرانيا سوف تنهار، ويمكن أن تنهار في نهاية المطاف في الأشهر المقبلة. من خلال لعب لعبة القط والفأر على الغاز، وخلق أزمة غذاء عالمية عن طريق منع تصدير الحبوب الأوكرانية عبر البحر الأسود، وإتباع إستراتيجية الأرض المحروقة في أوكرانيا، قد يراهن بوتين على أنها مجرد مسألة وقت حتى يتم تفكيك الغرب بدءاً من أوروبا. كما ترى موسكو، فإن الديمقراطيات الغربية التي تعاني قليلاً في الواقت الراهن: هي غير قادرة على لعب لعبة طويلة لأنها سترتد عليها بإثمان باهظة إجتماعياً وإقتصادياً.
تدرك موسكو أن العقوبات تلحق أضراراً جسيمة بها. لقد أعترف بوتين بهذا الأمر في العلن. كما يعرف الكرملين أيضاً أن الضرر سيزداد بمرور الوقت. في الوقت الحالي، على الرغم من أن فصل الطاقة بين أوروبا وروسيا أدى إلى أزمة طاقة أكثر حدة منذ حظر النفط عام 1973، فقد شهدت روسيا إرتفاعاً حاداً في أسعار النفط والغاز. وبينما تفطم أوروبا نفسها عن الوقود الأحفوري الروسي – من خلال تنويع مصادر طاقتها وتسريع إنتقالها إلى الطاقة النظيفة – فإنها ستخرج في النهاية أقوى من هذه الأزمة. على النقيض من ذلك، على الرغم من علاقات موسكو الجديدة التي تتبجح بها مع بكين، فإن الأمر سيستغرق سنوات حتى تحل الصين محل أوروبا كسوق للهيدروكربونات الروسية، ولأسباب متنوعة، من غير المرجح أن تكون الصين مربحة لموسكو مثلما كانت أوروبا. علاوة على ذلك، من الصعب رؤية الصين تستثمر في تحول الطاقة في روسيا: المستقبل الإقتصادي لروسيا على المدى الطويل قاتم.
يجب أن يدرك بوتين هذه الحقيقة، لكن حساباته تشير على الأرجح إلى أن أوروبا ستنكسر أولاً، بالنظر إلى وحدتها الهشة. الضغوط الداخلية في القارة ستسمح له بتحقيق أهدافه الحربية في أوكرانيا، وربما، عاجلاً أم آجلاً، العودة إلى العمل كالمعتاد مع أوروبا، أو على الأقل مع بعض الدول الأوروبية. وكما يرى الكرملين، فإن الإنقسامات ونقاط الضعف في أوروبا ستمنع سيناريو طويل الأمد تتحمل فيه روسيا التكاليف الإستراتيجية والإقتصادية والسياسية لغزوها.
خطر التقييد
مع كل شهر إضافي من الحرب، يتزايد خطر الإنقسام الأوروبي، وقد ظهرت بالفعل أولى الإشارات المقلقة. لكن الكثير سيعتمد على مسار الصراع نفسه. إذا واصلت روسيا حملة الفظائع والدمار التي إتسمت بها الأشهر الستة الماضية، يمكن للقادة الأوروبيين الإعتماد على بوتين لإبقائهم موحدين. على الرغم من أزمة الطاقة والمعاناة الإقتصادية الناجمة عنها، فضلاً عن التوترات السياسية والجيوسياسية التي ستحدثها، فمن غير المرجح أن يبتعد الأوروبيون عن أوكرانيا النازفة. على المستوى الحالي من العنف ومع إعلان روسيا علناً عن طموحاتها في السعي إلى المزيد من السيطرة على الأراضي الأوكرانية، لن يحجب الأوروبيون الأسلحة والدعم الإقتصادي عن كييف، ناهيك عن رفع العقوبات مقابل الهدنة. طالما تواصل روسيا هجومها الوحشي، سيواصل الأوروبيون المسار رغم صراخهم وازماتهم.
لكن الأمر سيكون أكثر صعوبة بالنسبة لأوروبا إذا غير بوتين، بدافع الضرورة وليس الإختيار، تكتيكاته في أوكرانيا. بحلول الخريف، قد تفتقر روسيا ببساطة إلى القدرة العسكرية لمواصلة الهجوم العسكري المستمر خلال الأشهر الستة الماضية. بالفعل ، تعتقد بعض وكالات الإستخبارات الغربية أن روسيا تتكبد ثمناً عسكرياً باهظًا للغاية لحربها، سواء من حيث المعدات أو الخسائر. تقدر وكالة المخابرات المركزية الأميركية و جهاز MI6 البريطاني أن أكثر من 15000 جندي روسي لقوا مصرعهم منذ 24 شباط/فبراير. ومن المرجح أن تزداد هذه الخسائر أكثر مع تلقي القوات الأوكرانية أسلحة غربية عالية الجودة. هذا لا يعني أن أهداف الكرملين قد تغيرت، مع ذلك: السعي وراء مشروع أيديولوجي ليس من السهل ردعه، والزعيم الذي يقارن نفسه ببيتر الأكبر من غير المرجح أن يقبل ببعض المكاسب الإقليمية في دونباس. مع تمدد نطاق سيطرة الجيش الروسي بشكل متزايد، من المرجح أن يضطر الكرملين إلى تكييف إستراتيجيته، بما في ذلك السماح بتخفيض مؤقت في الأعمال العدائية – مثل عدد أقل من الهجمات الصاروخية الروسية على المدن الأوكرانية، على سبيل المثال، أو تقليل نيران المدفعية على نطاق أوسع – للسماح لقواته بإعادة البناء والتجمع. مثل هذا التغيير قد يعني أن وتيرة الحرب في الأشهر المقبلة يمكن أن تتغير وفقاً للإستنزاف النسبي وإعادة تشكيل القوة العسكرية الروسية.
وبالتالي ، فإن الخطر الأكبر الذي يواجهه القادة الأوروبيون هو الخطر الخفي: إذا هدأت العمليات الروسية في أوكرانيا وبدأت موسكو في التلميح إلى نوع من التسوية أو الهدنة، فقد يقع الأوروبيون في فخ. مثل هذا الإحتمال، على الرغم من أنه سيقدم كفرصة يجب اغتنامها، من المحتمل أن يكون تهديداً خبيثاً: بالنسبة لموسكو، سيكون مجرد وسيلة لكسب الوقت للتحضير للجولة التالية من القتال، بعد بضعة أشهر. وإذا دعمت بعض الدول مثل هذه الخطوة، فقد تزيد من تقسيم أوروبا، حتى لو ساعدت الكرملين في إطالة أمد الحرب.
على وجه التحديد، عندما ينحسر العنف، يجب على الغرب إظهار مرونته الحقيقية ومضاعفة دعمه لكييف، ليس فقط لضمان خسارة روسيا لهذه الحرب، ولكن أيضاً أن تفوز أوكرانيا بها بالفعل، من خلال تأمين دولة قابلة للحياة إقليمياً، وبالتالي اقتصادياً، مع ضمانات أمنية، وفي النهاية، مسار نحو إعادة الإعمار وتوطيد الديمقراطية في الإتحاد الأوروبي. ومع ذلك، فإن الإغراء بالسعي إلى التسوية مع روسيا سيكون قوياً، لا سيما بالنظر إلى أنه من المحتمل أن يحدث في وقت تتزايد فيه الضغوط الإجتماعية والإقتصادية والسياسية والجيوسياسية في القارة. إذا تزامن انخفاض العنف في أوكرانيا مع أزمة طاقة متصاعدة في أوروبا، فقد يؤدي ذلك بالقادة الأوروبيين ليس فقط إلى المجادلة والترد، بل إلى الانقسام كلياً.
المزيد من الألم، المزيد من المكاسب
بمتابعة عدوانه على أوكرانيا في شباط/فبراير 2022 ، حشد بوتين الإتحاد الأوروبي ووحده – مثلما فعل مع الناتو والغرب بشكل عام – بطرق ربما كانت تبدو غير قابلة للتصديق قبل الحرب. لقد مرت عقود منذ أن كان هناك مثل هذا العرض للتماسك والعزم الأوروبيين وعبر الأطلسي. لكن ليس من الواضح على الإطلاق إمكانية إستمرار ذلك، لا سيما مع تغير الحرب نفسها وصعوبة التنبؤ بمآلاتها. وفي لحظات الهدوء، سيواجه القادة الأوروبيون تحديات جديدة في إستمرار الضغط على روسيا ولن يعودوا قادرين على الإعتماد على التأثير الموحد للتهديد الخارجي الحاد.
يعتقد بوتين بالتأكيد أن المرونة تتعلق فقط بتحمل الألم، وأن الديمقراطيات الليبرالية – أولاً وقبل كل شيء في أوروبا الغربية – ضعيفة جداً في القيادة وليس لديها ما يلزم لتنتظره. على النقيض من ذلك، أظهر الأوروبيون إيمانهم بأن المرونة لا تتعلق فقط بمقاومة الألم ولكن تتعلق بالقدرة على التكيف والرد والتعافي من الأزمة. يدرك الأوروبيون أن أنظمتهم الديمقراطية ومؤسساتهم الأوروبية بطيئة وفوضوية لكنها قوية.
إن مسار أوروبا عبر أزماتها المتسلسلة على مدى العقود القليلة الماضية – بما في ذلك أزمة الديون السيادية، والهجرة، وخروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي، ووباء COVID-19 – يوضح ذلك تماماً. قد تكون حرب أوكرانيا والطريقة التي ستختبر بها دفاعات أوروبا وإقتصاداتها وأنظمة الطاقة، فضلاً عن النسيج الإجتماعي لنظامها الديمقراطي، أصعب اختبار على الإطلاق. لتمريرها، سيحتاج الأوروبيون إلى إيجاد تصميمهم وقوتهم بدلاً من الإعتماد على بوتين للقيام بالمهمة.

أترك تعليق

لن يتم مشاركة بريدك الإلكتروني مع اي جهة أخرى - الرجاء مراجعة سياسة الخصوصية للموقع