October 16th, 2021

آخر الأخبار

من تورنتو من سرق بيروت؟

news

كتبت باسمة حمود

كتبت هذه الكلمات في الشتاء الماضي، أثناء عودتي من المدينة الكندية الصاخبة تورونتو الى مدينتى الهادئة لندن..
كانت رحلة مسائية في القطار الجميل قبل الكورونا..
ربما أشتاق تورنتو و أشتاق المدينة الأجمل بيروت!

تأخرت كثيراً..
قلت لن أفوّت القطار مرة أخرى..
و فاتني!!
سوف أنتظر.. رغم أن لا أحداً في الإنتظار..
حسناً سوف أستقل تاكسي..
صباح هذه المدينة السريعة مجنون..
طوابير تقف للحظات ثم تمضي مع الضوء و سرعته..
ماذا أفعل أنا هنا؟
أضيع و يسعدني هذا الشتات..
أنا الغريبة و لست ابداً غريبة في مدينة الغرباء و وطن “المغرّبين”!

في مدينة الضجيج، لا تسمع أي صوت..
هنالك هدير..
و انسجام بين أصوات الشاحنات و الإسعاف و سيارات البوليس..
أما المارة..
كل المارة فيكفيها “ال airdrop”
كي لا تسمع شيئاً..
في مدينة الضجيج!
لا أحد يسمع.. لا أحد يرى.. لا أحد يتكلم..
أما أنا فأكلم نفسي..
و أبرع بذلك..
لدي عشق خاص للمدن الكبيرة تلك المصنفة metropolitan..
سألني زوجي، كيف ذلك و أنا إبنة القرية اللبنانية النائية..
ماذا أقول لزوجي..
أني عشقت مدنًا لم أزرها قط مثلاً؟
هل هو أبي؟
هل هو ذلك المسلسل “القومي” الخارج لتوه من فرن الرقابة دون أن يحترق.. فهو ملائم و “بعثي”!!!
أم فيروز تغني القدس و يافا.. و تغني أيضا ً دمشق..
أم ربما كتاب التاريخ.. و مناهج كتبت لأجلي.. كي أعشق مدناً و أكتب لها و أبكي..
“نفش خلقنا”
نبكي..
و نذرف الدموع اليوم على الملأ في نعوة على صفحات التواصل الإجتماعي..
هنالك فقط، نثور و نبكي!!

لماذا المدن؟
كنت في التاسعة من عمري.
عام مصيري!!
إنتهت الحرب!!
و في طريقي إلى بيروت للمرة الأولى كنت أردد “صار عمري ٩ سنين و بعد ما زرت عاصمة بلدي!!”
بلدي!!! كم كان لتلك الكلمة من وقع على مسمعي!!!
لأني ولدت في الحرب!!
نعم أكرر ولدت في الحرب..
فكان لدي وطن أردت استرجاعه بأسناني!!!
كان لدي بيروت حزينة!!
و كان لدي عدوّ و جنوب محتل!!
كان عندي قضية!!!
و لم نرحل!!
في وقت الحرب لم نرحل!!
رحلنا في كذبة “السلم”
وزرتها!!!
مدينة الأشباح آنذاك و الأبنية المنهكة!!
لكنها بيروت!!
و “قومي من تحت الردم” “و ردموا البحر!!”
هل عشنا الكذبة؟؟
نعم عشت الكذبة!!
صدقتها..
لكن في بلد الطوائف “حبل الكذب قصير”
ومع هيك منكذب!! و لو مرّ ثلاثون عاماً على زيارتي الأولى لها!!
غيرت بيروت ثوبها!!
لا أكثر!!
امرأة على الموضة!!
أما عربة الذرة و الترمس على الروشة.. لم تتغير!!
و الفقراء ازدادوا فقراً،
و الأغنياء..
الله أكبر!!
هنالك أحياء بيروتية لم أعرفها بعد..
و مقاهي و مطاعم غير واضحة في خارطة غوغل “عليه السلام”
قال لي صديقي انت لا تعرفين بيروت!!
و لا تعرفين شارع الحمرا
و لا تعرفين صالونات بيروت الأدبية..
و لم تأكلي السمك المشوي في ذلك المطعم الصغير الذي ردمه البحر!!
لا تعرفين أسماء الشوارع و المقاهي القديمة!!
“من سرق بيروت”؟
سألت صديقي..
“عاهرٌ و خندق”
“فالمشاريع كثيرة.. لهذه المدينة الجميلة.. المشاريع كثيرة”
بكى صديقي!!

“من أين نشتري الأغاني و نغني مدينتنا الجميلة”
أصرّيتُ!
“متاجر السماسرة كثرت،
لكن البلد مطرود من غرفة التجارة العالمية..
انسِ دواء “الغنية”!

فاتني القطار مرة أخرى!!!
و بيروت انطفأت أنوارها و ضاعت في أضواء هذه المدينة..
“لا الكهربا انقطعت!!”
و أنا مشيت غريبة..
أراقب كل ما يحلّق فوق تلك المدينة..
و الوجوه جميلة..
آمنة و جميلة..
و وجه ذلك “البحار القديم” حزين يطالعني.. و في زجاج تلك الأبنية يلوّح لي كي “يرحل”
حتى البحار القديم يريد أن يرحل..!
Photo credit Adrienne Mariano

أترك تعليق

لن يتم مشاركة بريدك الإلكتروني مع اي جهة أخرى - الرجاء مراجعة سياسة الخصوصية للموقع