October 27th, 2021

آخر الأخبار

«كواد» أولى خطوات واشنطن في الاستدارة شرقاً لإحياء تحالفاتها المترنّحة / صحيفة البناء

news

محمد حسن سعد
الصين مارد نائم دعوه يغط في نومه لأنه إذا استيقظ سوف يهز العالم، كان ذلك ما قاله نابوليون بونابرت، فيما قال الرئيس الأميركي جو بايدن إن الصين ستهزمنا ما لم نتحرك، هذا الكلام وحده يكفي لنعرف أن وجهة الولايات المتحدة وثقلها سيكون في مواجهة الصين والحد من نفوذها المتصاعد وقوتها المتعاظمة التي تزاحم بها اليوم أميركا المنقسمة على ذاتها، على صدارة المشهد في النظام الدولي.
بادرت إدارة بايدن بتنفيذ إلتزامها بالإنخراط في القضايا العالمية، ليس لمواجهة تحديات الأمس، ولكن تحديات اليوم والغد كما أسمتها في الدليل الإستراتيجي للأمن القومي الذي أصدرته في الثالث من الشهر الجاري، ولأجل ذلك عمل أركان إدارة بايدن على إعادة تفعيل مجموعة كواد التي تضم بالإضافة الى الولايات المتحدة الأميركية كل من الهند واليابان وأستراليا، هذه الرباعية التي تولدت في العام 2007 متخذة شكل الحوار الدبلوماسي، الذي تزامن مع مناورات عسكرية مشتركة إعتبرت رداً على تزايد وتصاعد القوة الصينية، إلا أن إنسحاب أستراليا خلال فترة ولاية رئيس الوزراء كيفين رود أوقف عمل هذه الرباعية التي دخلت في غيبوبة طويلة، ما يعكس المخاوف الأسترالية بشأن الإنضمام إلى تحالف ضد الصين مع إثنين من أعدائها التاريخيين، اليابان والهند.
ويعزى بدء ترتيبات الدفاع الأميركي والياباني والأسترالي والهندي، على غرار مفهوم السلام الديمقراطي، إلى رئيس وزراء اليابان شينزو آبي. كان من المفترض أن ينشئ التحالف الرباعي “القوس الديمقراطي الآسيوي”، وأن يشمل في النهاية بلداناً في آسيا الوسطى ومنغوليا وشبه الجزيرة الكورية ودولاً أخرى في جنوب شرق آسيا: “جميع البلدان الواقعة على حدود الصين تقريباً، بإستثناء الصين نفسها”. أدى ذلك ببعض النقاد، مثل الموظف السابق بوزارة الخارجية الأمريكية مورتون إبرامويتز، إلى وصف المشروع بأنه “خطوة معادية للصين”، بينما وصفه آخرون مثل العالم السياسي ميخائيل غرين بأنه تحدٍ ديمقراطي للصين، شنته القوى الآسيوية بالتنسيق مع الولايات المتحدة. بينما كانت الصين تفضل تقليدياً منظمة شانغهاي للتعاون، سمي التحالف الرباعي “الناتو الآسيوي”، كما كتب دانييل توينينغ من صندوق مارشال الألماني للولايات المتحدة أن هذا الترتيب “قد يؤدي إلى نزاع عسكري”، أو قد يؤدي بدلاً من ذلك إلى “وضع أساس دائم للسلام” إذا أصبحت الصين زعيمة ديمقراطية في آسيا.
في الثامن اذار من الشهر الجاري نشرت صحيفة الواشنطن بوست مقالاً رباعياً لكل من الرئيس الاميركي جو بايدن ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ورئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون ورئيس الوزراء الياباني يوشيهيديه سوغا، وفيها يلتزم قادة رباعية كواد بإيجاد منطقة حرة ومفتوحة وآمنة ومزدهرة بين المحيطين الهادىء والهندي، إضافة إلى سعيهم لمواجهة وباء كورونا، والتعاون الوثيق مع المنظمات متعددة الأطراف بما في ذلك منظمة الصحة العالمية، وتعزيز شراكاتنا في جنوب شرق آسيا، بدءاً برابطة أمم جنوب شرق آسيا، لتعزيز الرؤية المشتركة لبلدان كواد وضمان السلام والازدهار فيها، هذا في ظاهر الرباعية، لكن ما هي أهداف واشنطن الحقيقية من وراء تفعيل كواد وتنشيط عملها والسعي لضم دول أخرى لها؟
1 ـــ تحاول إدارة بايدن تطويق بكين مستعينةً بحلفائها لأجل تنفيذ هذه المهمة، محاولة حشدهم بالتشديد على أن رباعي الحوار الإستراتيجي له أجندة طموحة تقوم على القواعد كما تروج إدارة بايدن منذ إستلامها مقاليد الحكم في البيت الابيض.
2 ـــ تستغل واشنطن سعي دول كواد وبالرغم من علاقاتهم ومصالحهم الإقتصادية مع بكين، لوضع حد لصعود النجم الصيني، الذي تحول تنيناً يتمدد في أغلب القارات من خلال مشروعها الإستراتيجي: مبادرة الحزام والطريق.
3 ـــ إستغلال رباعية كواد لتشكل قاعدة جديدة تهيأ الساحة لواشنطن لتكوين بديلاً ومنافساً للشراكة الإقتصادية الإقليمية الشاملة التي وقعت نهاية العام الماضي التي تضم الصين ودول أخرى في آسيا والمحيط الهادئ، وتشمل ما يقرب من ثلث سكان العالم ونشاطه الإقتصادي، ومن ضمنها اليابان وأستراليا، حيث ستؤدي عودة واشنطن للانخراط الفعال في قضايا منطقتي المحيطين الهادي والهندي وفق إعتقاد إدارة بايدن، إلى إحداث تحولٍ في مواقف الدول الأعضاء في الشراكة، كون إدارة ترامب دمرت العلاقات الاميركية مع الكثير من الدول التي إنخرطت في هذه الشراكة، وفي غيرها من الشراكات والتحالفات في تك المنطقة الحيوية والهامة.
4 ـــ تسعى واشنطن إلى تبديد مخاوف الكثير من دول المنطقة حيال منافسة القوى العظمى، بالترويج لأجندة براقة لرباعية لكواد، كمافحة التغيير المناخي، والتأكيد على حرية الملاحة، وإحتواء أي تهديد في بحر الصين الجنوبي، ومواجهة التحديات الملحة، وتسريع تأمين اللقاحات اللازمة لمواجهة وباء كورونا وغيرها من العناوين التي تظهر نعومة وجه واشنطن، التي تعمل في الحقيقة على إعادة احياء تحالفاتها المترنحة، لأن ذلك سيوفر لها قدرة كبيرة وقاعدة عريضة من الحلفاء، الذين سيشكلون خطوط الدفاع الأولى في المواجهة الطاحنة المرتقبة بين واشنطن وبكين.
الصين من جهتها ترى أن تجديد التحالف الرباعي سيكون خطأً إستراتيجياً فادحاً، وقد يؤدي الى مواجهة إستراتيجية خطيرة معها، وعليه ترى بكين أنه على نيودلهي أن تنهي صيغة كواد، كونها تملك القدرة على ذلك، فضلا عن مصلحتها البعيدة المدى التي تكمن في عدم ربط نفسها بعربة الولايات المتحدة المناهضة للصين.
إذاً الإستدارة شرقاً هي أولوية واشنطن الأولى والتي تتقدم على ما عداها في أجندة واشنطن الخارجية، وهذا ما أشار اليه وزير الخارجية الأميركية بلينكين هذا الشهر عندما وصف علاقة الولايات المتحدة ببكين بأنها “أكبر إختبار جيوسياسي للقرن الحادي والعشرين”. وقال إن هناك حاجة لإشراك الصين في الترتيبات التي تعمل واشنطن على تنفيذها في المنطقة من موقع قوة لا يمكن القيام به إلا جنباً إلى جنب مع الحلفاء والشركاء. وتابع بلينكن “أن الصين هي الدولة الوحيدة التي تمتلك القوة الإقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية لتحدي النظام الدولي المستقر على القواعد والقيم والعلاقات التي تجعل العالم يعمل بالطريقة التي نريدها”.
وبالتالي فإن السؤال الذي يطرح نفسها: هل تستطيع الولايات المتحدة الاميركية تعديل سلوك الصين كما تقول وتروج؟ أم أن ذلك سيكون بداية الطريق الصيني لتعديل سلوك الولايات المتحدة وإعادتها إلى عزلتها من جديد؟

أترك تعليق

لن يتم مشاركة بريدك الإلكتروني مع اي جهة أخرى - الرجاء مراجعة سياسة الخصوصية للموقع