October 26th, 2021

آخر الأخبار

كبش المحرقة مرة أخرى

news

نبيه البرجي / الديار
لنذهب مع الكاتب البرتغالي خوسيه ساراماغو (الذي يقرأ له وليد جنبلاط بشغف) في قوله «العدالة البشرية مستحيلة ما دامت العدالة الالهية مستحيلة. لو لم تكن كذلك لرأينا الشيطان وراء القضبان، لا أن يترك هكذا يجول ويصول في رؤوسنا» !
قاض كبير قال لنا «من يبحث عن العدالة في هذه المتاهة اللبنانية، كمن يبحث عن حبة لؤلؤ في قعر البحر الأبيض المتوسط».

قد يكون القضاء في لبنان بحاجة الى قاض انتحاري على شاكلة فادي صوان، وان صدمنا باختيار حسان دياب لأن يكون، مرة ثانية، كبش المحرقة. أي عدالة أن يدفع هو بالذات الى حبل المشنقة، وهو الطارئ على هذه الأدغال، دون سائر نجوم المنظومة السياسية ؟

لا نشكك أبداً في أخلاقية، ولا في كفاءة، رئيس حكومة تصريف الأعمال الآتي من كوكب آخر. لكنه صدمنا أكثر مما صدمنا المحقق العدلي، في رده الطائفي على الادعاء، والذي استخدم فيه لغة فؤاد السنيورة حين اعتبر أن الموقع لا الشخص هو المستهدف.

أيها الرجل، لو كان الموقع هو المستهدف لرأينا الادعاءات، تطاول كل الذين تعاقبوا على السراي منذ أن وضعت قنبلة هيروشيما في العنبر رقم 12. أنت هو الضحية الذهبية التي تمت اقالتك لامتصاص التداعيات الدرامية لانفجار المرفأ، ولتظهر وحدك، في الحلقة الأخيرة من السيناريو، المسؤول عن الفاجعة.

لا ندري من نصح حسان دياب، لحمايته من الاحتمالات المبرمجة، بأن يختبئ وراء الموقع، ودون أن يكون هذا قصد القاضي صوان الذي لا نشك أبداً في ابتعاده عن كل الأوبئة الطائفية التي جعلت البلاد عبارة عن «كانتونات سيكولوجية»، ولا تتقاطع في أي مكان.

هناك من خدع، أو من ورّط، حسان دياب في عدم النزول الى المرفأ. لا ريب أنه يشعر الآن بهول الخطأ. كان يفترض ألا يصغي الى أحد ولو كانت هناك ذرة من الشك، لكي يرى ما فعلت أيدي الآخرين، وقبل أن توضع يداه في الأغلال.

ندرك ما جال في رأس الرجل لدى رؤية اسمه بين المدعى عليهم في الانفجار المزدوج. استذكر أنه أقيل، بتلك الطريقة المهينة، من أجل تغطية الوجوه الملطخة من الوزراء، وغير الوزراء، الى أن ينتهي المطاف بتحميله هو وحده مسؤولية ما حصل لأن «لا أم تبكيه». الأم هي الطائفة التي تحمي أبناءها الضالين من العقاب، وتدع، للقضاء والقدر، أبناءها الصالحين.

هل كان نجيب ميقاتي يدافع عن حسان دياب حين أطلق تغريدته التي طاولت رئاسة الجمهورية، أم أنه يدافع عن الآخرين ؟ قصة الأمونيوم أشد هولاً من أن تكون قصة روتينية. لكأن تخزينها طوال سنوات كان ينتظر شيئاً ما، ولقد حصل هذا الشيء، وكاد يقضي على المدينة بكاملها، ان لم يكن على الدولة بكاملها بعدما أخذت الاتهامات العشوائية بعداً يمكن أن يفضي الى الحرب الأهلية.

في هذه الحال، ما على المجلس العدلي الا أن يضع الملف على الرف بانتظار يوم آخر، ربما زمن آخر، او أن يوجه أصابع الاتهام الى كائنات من المريخ نزلت الى ديار الشقيقة العزيزة الأرض للقيام بالتفجير.

قبل أن يموت روبرت فيسك بنحو عام، قال لنا «أخشى أن أبقى حياً وأكون شاهداً على موت هذا البلد الجميل». كيف لدولة ماتت فيها العدالة أن تبقى على قيد الحياة ؟

لا يزال الغموض يكتنف قصة دخول السفينة «روسوس» الى مرفأ بيروت، وتفريغ حمولتها ثم تخزينها. طيلة كل تلك المدة. من هنا يبدأ التحقيق لا أن يقتصر على الحلقة الأخيرة من الفضيحة في ظروف داخلية أكثر من أن تكون كارثية.

لا تتوقعوا أن يصل المجلس العدلي الى شيء. وراء الضوء أصابع غليظة تتولى ادارة الخيوط من أجل بقاء كونسورتيوم الفساد. انفجار المرفأ، وبالرغم من كل أهواله، يبقى تفصيلاً ما دام هناك من وضع الدولة عند حائط المقبرة…

كل شيء مبرمج بدقة. الفساد في الشرق الأوسط، وكما قال شلومو صاند، صاحب كتاب «كيف تم اختراع شعب اسرائيل»، ضرورة لاهوتية، وضرورة استراتيجية، لتقود اسرائيل دول المنطقة … بالعصا!!

أترك تعليق

لن يتم مشاركة بريدك الإلكتروني مع اي جهة أخرى - الرجاء مراجعة سياسة الخصوصية للموقع