October 23rd, 2021

آخر الأخبار

في القدس تولد الأمّة من جديد

news

علي عبدو – باحث في العلاقات الدولية والدبلوماسية

أيّام مفصليّة على ما يبدو يعيشها سُكّان القدس، إذ أنّ مسار الأحداث منذ العشر الأواخر من شهر نيسان تُشير إلى أن الكيان الصهيوني يُعدّ العُدّة لتصعيد خطير تمثّل في حشد مستوطنيه لاقتحام المسجد الأقصى بأعداد كبيرة في الثامن والعشرين من الشهر الفضيل تحت مسمّى “يوم توحيد القدس”بحسب التقويم العبري، ترافق مع اعتداءات واسعة على المؤمنين في باحات المسجد ومحاولات الإستيلاء على منازل مواطني القدس خاصة في حي الشيخ الجراح.
هي أيّام نقلت الشعب الفلسطيني من معركة الدفاع عن حقوقه المشروعة إلى الدفاع عن القدس مع ما تعنيه من رمزيّة وسيادة وترسيخ للواقع وتثبيت للحق في مواجهة محاولات الكيان الصهيوني تهجير سكان القدس وتغيير الوضع القانوني والتاريخي للمدينة والإستعجال في محاولة انتزاع إرث ترامب وما وعد به من بنود صفقة القرن تزامناً مع المتغيّرات الإقليميّة والدوليّة والداخليّة الإسرائيلية التي بدأت تُقلق هذا الكيان.
هي أحداث وتحرّكات لم تُقلق العرب ولم تُدغدغ مشاعرهم الدينية والقومية والتاريخية والإنسانية والقانونيّة، حيث غابت الجامعة العربية عن المشهد إلى أن قام سفير فلسطين لدى القاهرة ومندوبها الدائم لدى جامعة الدول العربية بتقديم طلب لعقد اجتماع عاجل لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين لبحث اعتداءات إسرائيل على مدينة القدس، والذي تقرر عقده اليوم برئاسة قطر.
هو اجتماع لا يُؤمل منه أكثر من عبارات الرفض والتنديد والإستنكار التي جففت ماء وجه هذه الأمّة، وأحرقت كل ما تملك من أوراق القوّة والمنعة، وعطّلت كل مفاعيل يُمكن أن تُرافق حضورها على الساحتين الإقليميّة والدوليّة. إنّ ما يجري يدفعنا لطرح تساؤلات عديدة يجب مراجعتها من قبل القيّمين على جامعة الدول العربية، حيث أنّ فلسطين دولة عربية مُعترف بها من قِبل الجامعة لا بل هي قضيّة الأمة الأولى، وحيث أنّ القدس هي قبلة المسلمين الأولى، وأمام رمزيّة وأهميّة القدس ما هي واجباتنا وتكليفنا الشرعي والقانوني والأخلاقي والإنساني تجاهها؟ هل القانون الدولي يمنع أصحاب الأرض وأصحاب الحق من تقرير مصيرهم أم أنّ هذا الحق واضح ومُثبت في القوانين والمواثيق والأعراف الدوليّة؟ هل أصبحت إنتفاضة شباب وشابات فلسطين العُزّل اللذين يقاتلون باللحم الحي وبإرادة ذاتيّة صلبة دون دعم إخوانهم العرب معياراً لالتفات جامعة الدول العربية استحياءً لدعم هؤلاء المقاومين بعبارات لا مكان لها في أيّة عمليّة تغيير قادمة؟ لماذا هذا السكوت والتراخي العربي، وإلى متى؟
لقد أوقعت الدول العربية نفسها في شراك المصالح الضيّقة والتبعيّة المّذلّة، وأصبحت بذلك بعيدة كل البُعد عن واقع الأمة ومصالحها، فالفرق واضح بين قواعد القانون الواضحة والتي لا تحتمل التأويل وبين تفسير قواعد هذا القانون التي أصبحت تُفسّر وفق مصالح الدول ومعايير قوّة الدولة ومكانتها الدولية وبين تطبيق قواعد هذا القانون التي لا تُطبّق إلّا على الدول الضعيفة وفقاً لتفسرات الدولة القويّة ومصالحها، وبناءً عليه لم تستطع الدول العربية استثمار الحق الثابت بقوة القانون المُتعلّق بالقضيّة الفلسطينيّة منذ بدء مأساة تلك القضيّة، بل ساهمت تلك الدول في قضم ذلك القانون مع مرور الزمن وفقاً لتفسيرات وتطلّعات الدول الداعمة لإسرائيل والتي ساهمت في زرعها في منطقتنا لأهداف واستراتيجيات طويلة وبعيدة المدى.
وبالنسبة لإسرائيل، فإنّ المتغيّرات الدوليّة والإقليميّة المُتسارعة دفعتها لخوض مغامرة جديدة غير محسوبة النتائج، فقد اعتاد هذا الكيان إيصال رسائله بالحديد والدم والنار، وبالعودة لما يحصل في القدس يمكن استخلاص عدّة أسباب دفعت هذا الكيان للإسراع بالإستيلاء على القدس والمسجد الأقصى:
– المفاوضات الأمريكية الإيرانية التي سلكت على ما يبدو طريقها الصحيح باتّجاه اتفاقيّة دقيقة وواضحة أكثر من سابقتها تترافق مع رفع العقوبات على إيران، الأمر الذي أقلق إسرائيل خاصة بعد فشلها في فرملة اندفاعة إدارة جو بايدن للتفاوض، وندمها لعدم تعطيلها الإتفاق الحاصل عام 2015، وهي بالتالي لن تُعيد الخطأ نفسه بانتظار توقيع الاتّفاق وبدء العمل به لكي تتحرّك.
– الإنقسام الداخلي الإسرائيلي الحاد والجمود السياسي الإسرائيلي المتعاقب والفشل الحكومي للمرة الخامسة على التوالي.
– الإندفاعة القوية لحلفاء الولايات المتحدة في مجاراتها تجاه إيران،واندفاع البعض الآخر تجاه وسوريا خصوصاً بعض الدول العربية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية وبعض دول الخليج بعد أن اعتقدت إسرائيل أن التطبيع مع من تبقّى من تلك الدول مسألة وقت ليس ببعيد.
– الخشية من خروج الوضع الداخلي عن السيطرة خصوصاً بعد وصول صواريخ المقاومة الفلسطينية إلى تل أبيب وباقي المستوطنات بشكل غير مسبوق وهو ما لم يعتد عليه سكان المستوطنات ما سيثير نقمة المستوطنين على حكومة هذا الكيان وجيشه الذي أثبت هشاشته وضعفه.
– العزلة التي تعيشها إسرائيل بعد رحيل ترامب وتبدد أحلامها بتطبيق صفقة القرن خصوصاً بعد التحوّلات الإقليمية وفشل الحرب على سوريا واليمن في تحقيق أهدافها.
– كسب تعاطف المجتمع الدولي وتأييده في شن أي عملية عسكرية قادمة ربما تمتد لفتح جبهة لبنان أو الجولان أو باتجاه تصعيد إقليمي أكبر إذا فشلت جبهة فلسطين في تحقيق هذا التعاطف.
– محاولة زج الإدارة الأمريكية لتحريك دبلوماسيتها على الأقل لدعم إسرائيل في شن أي عملية عسكرية أمام المجتمع الدولي وإعطائها الشرعية بحجّة الدفاع عن النفس خصوصاً بعد التمايز في المواقف إلى حدٍّ ما بين دول الإتّحاد الأوروبي والولايات المتّحدة الأمريكية.
لم يسبق للكيان الصهيوني أن وصل إلى هذه الحالة من الوهن، وإنّ ما يحصل في القدس لهو دليل واضح على ضعف هذا الكيان وندرة الخيارات التي يمتلكها، فإنّ آلة الحرب العسكرية أثبتت فشلها أمام الإرادة الصلبة للشعب الفلسطيني وشعوب الأمّة والإيمان الراسخ بالمقاومة والتي لاتزال تتحمّل بيانات الإستنكار والإدانة التي تُمزّق خاصرتها ممّن يُفترض أنهم درع هذه القضية وسيفها المسلول دون أيّة خطوات عملانيّة، هذه المقاومة التي تعمل بقوة الحق في مواجهة القوة العسكريّة والماديّة التي تسيطر على المنظمات والهيئات وتُكبّل القوانين أثبتت أن الحق لا يعود إلّا بفوّهات البنادق وأن الدبلوماسية والإتفاقيّات الصادرة عنها رغم أهميّتها بمكان إلّا أنها غير ذي جدوى مع هكذا كيان لا يفقه سوى لغة العتف ولا يعيش إلّا جثث الأبرياء، ولكن لفلسطين وقدسها كلام آخر، ففي مدينة عريقة كالقدس وفي كل يوم “تولد الأمّة من جديد”.

أترك تعليق

لن يتم مشاركة بريدك الإلكتروني مع اي جهة أخرى - الرجاء مراجعة سياسة الخصوصية للموقع