October 27th, 2021

آخر الأخبار

فليحكم الاقوى؟

news

 في المباشر، على اللبنانيين اذ ما ارادوا دولة عزيزة ومهابة وقوية، ان يتنازلوا عن عصبياتهم وغرائزهم الطائفية، لصالح من يستطيع ان يحقق لهم المراد، والا عبثا يحاولون تحقيق ذلك، من طريق الشؤم هذا الذي يسلكونه منذ انهيار نظام الامارة، بارادتهم او بغيرها، بوعيهم او بجهلهم. لان العصبيات كما هو معروف، تهدم لا تبني تستسقي الدم لا تحقنه، تقلب الحقائق الى بواطل وهكذا دواليك.

اذن من يبحث عن قيام دولة منشودة من بين المقابر الطائفية سيدفن فيها حتما، وتلك تجارب كثيرة تسيّدت التاريخ القديم والحديث معا. ومتى ارادت الامم ان تَعبر هذا الشعور النمطي بالتعصب الاعمى، نالت ما تريد من نجاحات وتقدم ورقي.

قي هذه الحالة على المجتمع اللبناني ان يرضى بحكم القوي المهاب، القادر على ترشيد البلد وناسه الى ما فيه مصلحة وافية، مهما كان دستور هذا القادر وفلسفته، فالعبرة تكمن على الدوام، في توفر الامكانيات والقدرات على نظم الشأن العام وتحقيق الآمال والمآل والغايات في بناء الدولة وتطورها.

انه مبدأ القبول الطوعي، بالتنازل عن ارهاصات العصاب الفردي والجمعي للمكونات المجتمعية، ومنها المكونات اللبنانية.

وان تعذر التنازل الطوعي، لاسباب مسلكية تاريخية ونمطية خصوصية موهومتين، فان منطق الاشياء في السياسة والحكم والنظام، تعطي مبررا اخلاقيا ووطنيا وشرعيا وانسانيا، للقوي ان يُكره الناس على القبول والتنازل، فالمصلحة العامة هنا تبرر تهذيب المصالح الخاصة سواء اكانت سياسية او دينية او اقتصادية.

ان مجتمعا من الموزاييك المتناقض في الشكل والجوهر، لا يمكنه العيش بتسويات، سرعان ما ستنهار على رؤوس الجميع، كما يحصل في اعقاب التسويات في لبنان، فالتسوية بطبيعتها هي حل مؤقت لازمة بنيوية، فيما الحاحة اليوم تدعو الى حل جذري للازمات البنيوية والآنية على السواء.

يعرف محترفوا السياسة في لبنان هذه الحقائق المرة بذاتها ، والحلوة بالنسبة لهم، لانها تتيح  لامراء الطوائف بالحكم والتحكم برعيتهم في كل كبيرة وصغيرة، لا بل استغلال هذه الرعية في حروب مصالحهم، التي لا تنتهي، فهذا النوع من ملوك الطوائف لا حدود لنهمه وتسلطه وابتزازه، ويستند بذلك الى قوة العصاب الفردي والجمعي لدى جماعته، فيسيرهم كيفما شاء وللغاية التي تحقق له مزيدا من الامتيازات ذات الطابع الخاص، وهذا ما يعرفه الناس حقيقة جلية وواضحة لا لبس فيها.

وقد علمتنا التجربة ان هؤلاء يتقاتلون بالناس عند حرب المصالح، وعند توزيع الغنيمة يتصالحون على حساب من سالت دماؤهم في معاركهم العبثية.

لا يستقيم الامر الا بحل واحد من ثلاثة، الاول تقسيم البلد، اي الذهاب الى الفيدرالية وهذا دونه عواقب وخيمة، اقلها نشوء دكتاتوريات صلبة وانماط آحادية قابلة للتجذر، والتحكم في بنية صافية مذهبية. وفي حال لبنان سيكون الامر جد معقد على مستويات عدة ديموغرافية، وجغرافية، وتوزع السكان. ثانيا الاستمرار بالصيغة نفسها لحكم الطوائف اي بقاء المعاناة والحروب والفساد وكل انواع الموبقات، وهذا يمثل تأبيدا في الازمات واعادة انتاجها. وهذان الخياران بالتالي، لا يصلحان لبلد مثل لبنان. وثالثا وهو الحل الانجع، والاسلم لجميع مكونات المجتمع، يتمثل بحكم القوي والقادر كما اسلفنا، وتلك تجربة يجب القبول بها طوعا او كرها.

ان الفريق الوحيد القادر والمهيّأ لاستلازم زمام الامور في لبنان، هو المقاومة من دون شك او مواربة، فهي بادائها وسلوكيات قادتها، ومناقب رجالها واخلاقها في العمل السياسي، اثبتت للعدو قبل الصديق والخصم، مصداقية في القول والعمل معا، وباتت نموذج يمكن الاعتماد عليه في ادارة الواقع الوطني باستحقاق القادر والعارف والعادل.

من هنا على الناس الى اي بيئة انتموا ان يستدعوا هذه المقاومة لانقاذهم مما هم فيه، والا يخجلوا او يخافوا من هذا الاجراء على الاطلاق، فاهل المقاومة لا يشكلون بيئة صافية مذهبية بل هم منتشرون على مساحة الوطن، وان جدلية المقاومة في مقاربة الحكم لن تكون الا وفق ادائها المتبع حاليا، اي انها تمارس العقلانية واللاطائفية في ادبياتها الوطنية.

صودف ان المقاومة في لبنان، تتقدم باقي المصنفات الأخرى، قوة واقتدارا وامكانيات واسلوب عمل ممنهج ومتقدم، فلو قدر لغيرها هذه الامكانات فليقدم نفسه، على انه يستحق القيام بهذا الدور، لا بأس طالما هو الاقوى. فالعبرة ليست في ذات الانتماء، بل في ذات القدرات والكفاءات التي مهما كان، سيمكن صاحبها من تاسيس نظام قابل للحياة وقادر على المحاسبة واجتراح الحلول من دون اي حساب طائفي او مذهبي، خصوصا لملوك الطوائف الذين جلهم سيكونون اما في السجون، او على حبال المشنقة، او لاجئين بائسين في البلاد التي خدموها على حساب بلادهم.

أترك تعليق

لن يتم مشاركة بريدك الإلكتروني مع اي جهة أخرى - الرجاء مراجعة سياسة الخصوصية للموقع