October 27th, 2021

آخر الأخبار

عقيدة المجازر عند العدو دوي هزيمته

news

كتبت ليلى عماشا
ارتبط العدوان الصهيوني دومًا بارتكاب المجازر، حتى أصبحت ذاكرة بلادنا حافلة بأسماء القرى التي شهدنا فيها الوحشية الغربية بالعين المجرّدة، وبالقلوب التي لا تنسى ولا تسامح.
من دير ياسين في فلسطين المحتلة إلى قانا الجليل وما بينهما، وما سبقهما وما تلاهما من هول القتل، لم يترك هذا العدو أدنى فرصة للتنكيل بأطفالنا، ولحرق قلوبنا أمام مشاهد جثامين أهلنا وأحبّتنا وقد مزّقها الصهاينة وأحالوها في بعض الأحيان رمادًا بلا ملامح..
قد تكون مجازر حرب تموز عام ٢٠٠٦ الأقرب إلى ذاكرة جيلنا، الجيل الذي عاش النصر صامدًا رغم عمق الجراح التي مزّقت القلوب في قرانا وفي ضاحيتنا الجميلة.. عائلات بأكملها دُفنت تحت الدمار الذي أراده الصهيوني فرصة لمحو المقاومة من الوجود، فما ازداد أهل المقاومة إلّا تمسّكًا بالخيار المقاوم، ولسان حالهم “فِدا المقاومة”!
كانت المجازر ولم تزل دليل بداية فشل العدو وسقوطه ميدانيًا وتهرّبه من المواجهة المباشرة، أو ردّ فعل هستيريّ يقرّ من خلاله أنّ المقاومين أصابوه في مقتل. (يعتمد بنو سعود في عدوانهم على اليمن العزيز الأسلوب ذاته). عادةً، تقاس نتائج الحروب في المواجهات الميدانية وفي قدرة كلّ طرف على خوض الاشتباك والالتحام بكلّ الأسلحة المتوفّرة. ولطالما وُصف جيش العدو الصهيوني بأنه أحد أكثر جيوش العالم تفوّقًا في العتاد، لكنّ هذا التفوّق لم يسعفه في أي مواجهة حيّة، بل على العكس كان يشكّل عاملًا يزيد في إحباط جنوده وهم ينتحبون تحت وطأة صدمة هزيمتهم على يد رجال يمتلكون العقيدة القتالية المتفوّقة، فلا يهابون الموت وبسلاحهم الذي قد لا يضاهي سلاح ألوية النخبة “الإسرائيلية” من حيث الإمكانيات، يقاتلون حتى النصر أو الشهادة. من هنا، كان الصهيوني وما زال يلجأ إلى تعمّد قصف التجمعات المدنية والبيوت التي تتجمّع فيها العائلات كي يعيد تغذية وهم التفوّق في نفوس جنوده، الذين أصبحوا يتهرّبون من أي مهمة قتالية لشدّة جبنهم واستسلامهم لحقيقة أنّهم مهزومون، وكي يقنع المستوطنين أن كيانهم ما زال قادرًا على إلحاق الأذى بنا. ومن جهة أخرى، يسعى العدو من خلال المجازر إلى ترويع الناس وجعلهم يتخلّون عن تشكيل حاضنة للمقاومة، ويبدو أنّ الصهيوني رغم التكرار، لم يفهم بعد أن هذه المقاومة انبثقت من بيئتها الحاضنة وبالتالي لا يمكن الفصل بين المنظومة العسكرية وبيئتها الاجتماعية والأهلية.
بهذه الخلفية يرتكب العدو المجازر، ولا يتعلّم، ويبدو أنّ كيانه سيزول قبل أن يفهم حقيقة أن كلّ المجازر التي ارتكبها وإن كانت جرحًا يحفر في أرواحنا، لا يمكن أن تثنينا عن إشهار عدائنا صوبه، وعن احتضان المقاومة وسلاحها بحبّات عيوننا، ولا يمكن إلا أن تزيدنا ثباتًا على موقفنا من الصراع الوجوديّ معه، بل وتزيد إلى عناصر هذا الصراع بعدًا شخصيًا يحتّم علينا التمسّك أكثر بالثأر لأحبابنا ولا ثأر أقلّ من “زوال اسرائيل من الوجود”.
وكما جرت العادة، يقف العالم المقنّع بشعارات الإنسانية الزائفة يتفرّج على المجازر التي تسرق من أحضاننا أطفالنا ويضعها في إطار “حق إسرائيل بالدّفاع عن نفسها”، ويدعمه بذلك ثلة من محليين وعرب متصهينين رأوا في وجود المقاومة خطرًا عليهم وطلبوا من الصهيوني في السر وفي العلن أن لا يكفّ عن القصف وعن استهداف الحجر والبشر في بيئتنا، عسى يتخلصون من منظومة المقاومة. هؤلاء، لا ترتجف عيونهم وهم يحدقون بأشلائنا إن مزّقها الطيران، ولا تتحرّك إنسانيّتهم تجاه أولادنا وقد وضعهم الصهيوني دومًا في قائمة أهدافه الحربية.. وهؤلاء، لا يعتبرون أصلًا أن دمنا إذا سفك يستحق مراجعة لضمائرهم المؤجرة وأخلاقهم التي باعوها للصهيوني ومن معه. هؤلاء أنفسهم يتضامنون مع القاتل ويلومون من يدافع عن أرضه وناسه، ليس في لبنان فقط، بل على امتداد ساحات الصراع.

ألف ألف مجزرة ما زالت تلتهب في أكبادنا، لكنّ النصر مسح على رؤوس قلوبنا وجعلنا أكثر إدراكًا لحقيقة أن وحده السلاح بيد رجال الشمس سيعيد حق أطفالنا وأهلنا وأحبابنا الذين صاروا ذاكرة دمنا وقد سفكته مجزرة.

أترك تعليق

لن يتم مشاركة بريدك الإلكتروني مع اي جهة أخرى - الرجاء مراجعة سياسة الخصوصية للموقع