February 6th, 2023

آخر الأخبار

news

سقطت كابول قبل عام واحد. ها هي الدروس التي يجب أن نتعلمها بقلم فريد زكريا / نقله إلى العربية د. محمد سعد / الواشنطن بوست 12 آب/أغسطس 2022

في 16 آب/غسطس 2021، أصدر المفتش العام الخاص بإعادة إعمار أفغانستان تقريراً بعنوان: “ما نحتاج إلى تعلمه: دروس من عشرين عاماً من إعادة إعمار أفغانستان”. طغت الأخبار على التقرير، حيث لم يكن هناك سوى يوم واحد قبل انهيار الحكومة الأفغانية وإستيلاء طالبان على السلطة بسرعة. لكن بعد عام واحد، تحول التقرير إلى وثيقة – تستند إلى 13 عاماً من العمل، وكم هائل من البيانات وأكثر من 760 مقابلة – كل ذلك يستحق الدراسة بعناية.
لا بد من القول: “لقد أمضت الحكومة الأميركية الآن 20 عاماً ودفعت 145 مليار دولار في محاولة إعادة بناء أفغانستان”. هذه التكاليف أضيفت إلى التكاليف الأخرى، بما في ذلك 837 مليار دولار للعمليات العسكرية والقتالية، وخسارة 3587 من القوات الأميركية والقوات المتحالفة، وما لا يقل عن 66000 قتيل من القوات الأفغانية. يشير التقرير إلى أنه “إذا كان الهدف هو إعادة بناء افغانستان وتركه كبلد يمكنه الحفاظ على نفسه مع تهديد ضئيل لمصالح الأمن القومي للولايات المتحدة، فإن الصورة العامة قاتمة”.
لماذا؟ ما الذي يفسر كيف أن بذل الكثير من الطاقة والجهد والدم والمال لم ينتج عنها سوى القليل؟ يسرد التقرير العديد من الأسباب: الإستراتيجية غير المتماسكة، وقلة الصبر، والتوقعات الخيالية غير الواقعية، والمراقبة والرصد غير الكافيين – وكلها تسلط الضوء على إخفاقات محددة. إحدى استنتاجات التقرير هي أن أهداف الولايات المتحدة كانت متناقضة في كثير من الأحيان. على سبيل المثال، ضخت الولايات المتحدة مليارات الدولارات في الإقتصاد بينما كانت تحاول إنهاء الفساد المستشري في مفاصل الدولة الأفغانية. لقد أرادت إضعاف أمراء الحرب والميليشيات، لكنها إعتمدت عليهم أيضاً عندما أرادت إرساء الأمن بسرعة. لقد أرادت إنهاء إنتاج الأفيون، من غير سلب المزارعين دخلهم.
لكن النخبة الأميركية لا تشعر أنها في عمق المشكلة. بعد هزيمتها في عام 2001، أعادت حركة طالبان تنظيم صفوفها واكتسبت الأرض بثبات منذ عام 2005 فصاعداً. يوثق التقرير أن “الهجمات التي بدأها العدو” إرتفعت من حوالي 2300 في عام 2005 إلى ما يقرب من 23000 في عام 2009، ولم تنخفض مرة أخرى إلى أقل من 21000، على الرغم من التغييرات المختلفة في إستراتيجية الولايات المتحدة ومستويات قواتها وتكتيكاتها.
كتب كارتر ملكاسيان، المستشار المدني للجيش الأميركي كتاباً بشأن العراق وأفغانستان، أعتقد أنه الأقرب إلى تقديم تفسير شامل. إذ كتب يقول: “لقد مثلت طالبان شيئاً ملهماً، وهو ما جعلهم أقوياء في المعركة، وهو إلهاماً وثيق الصلة بما يعنيه أن تكون أفغانياً”. بعبارات بسيطة، قاتلوا من أجل الإسلام ومقاومة الإحتلال، وهي قيم مكرسة في الهوية الأفغانية. فيما الحكومة الأفغانية وباعتبارها متحالفة مع الإحتلال الأجنبي لم تحشد أي إلهام مماثل”.
لم تكن الحكومة الأفغانية الجديدة قادرة على إكتساب الشرعية التي تحتاجها، وسط حرب أهلية معقدة في أفغانستان في ظل وجود الولايات المتحدة كطرف خارجي. كان يُنظر إليها (الحكومة الأقغانية) على أنها فاسدة بشكل كبير وتعتمد تماماً على الولايات المتحدة – وكانت التهمتان صحيحتين. عندما تتمتع الحكومة بشرعية داخلية – فكروا في أوكرانيا اليوم – يمكن للدول الاخرى مساعدتها بشكل فعال. ولكن عندما تفتقر إلى القوة والدعم الداخليين، غالباً ما تُضعف المساعدة الخارجية مصداقيتها.
لذلك، يمكن للمرء أن يضيف جميع أنواع الأسباب المهمة الأخرى. كان لطالبان ملاذ آمن في باكستان. تاريخياً، كان من المستحيل تقريباً هزيمة تمرد مسلح جيداً وله ملاذ في بلد مجاور. الأميركيون لا يفهمون الدول والثقافات الأجنبية. كانت حرب العراق مصدر إلهاء هائل. عملت الوكالات الأميركية أحياناً بأجندات متعارضة مع بعضها البعض. وهلم جرا.
ولكن هناك درس مهم آخر للولايات المتحدة: مخاطر عدم النظر إلى الواقع بعناية والإستسلام للتفكير السائد في أوساط الرأي العام. لوقت طويل، إعتبرت النخب في واشنطن أفغانستان “حرباً عادلة” مبررة أخلاقياً وتحظى بشرعية من قبل الأمم المتحدة. إعتقد الكثيرون بأنها كانت ناجحة، وأعموا أنفسهم عن الدليل على أنها لم تكن كذلك.
غالباً ما تكون رؤية القوات المسلحة شديدة الوضوح بشأن الصراع، ولكن بمجرد أن يبدأ القتال ويتم تكليفها بمهمة، فإنها سترفع سلسلة من التقارير التي تثبت نجاحها. في فيتنام، كان عدد قتلى العدو كبيراً. بينما في أفغانستان، كانت أعداد الجيش الوطني الأفغاني تتزايد بشكل ملفت (حيث اتضح أنها منتفخة بشكل كبير). على الرغم من عيوبه في تنفيذ الانسحاب، كان جو بايدن، بصفته عضواً في مجلس الشيوخ ونائباً للرئيس، واحداً من القلائل في الحكومة المستعدين لطرح أسئلة غير مريحة والنظر إلى ما هو ابعد من الكلام المعسول والأحاديث المنمقة.
في مقال رائع يتصف بالكثير من الذكاء والحكمة في مجلة ذي أتلانتيك (the Atlantic)، أجرى الجنرال ديفيد بتريوس تقييماً للحرب مجادلاً بأن “الخطأ التأسيسي” لأميركا في أفغانستان كان يتمثل بــ “نقص الالتزام”. إنه محق من جهة واحدة. من الواضح أنه كان هناك مد وجذر في الدعم الأميركي، لكن من الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة ظلت تقاتل في أفغانستان لفترة أطول من البريطانيين خلال الحروب الأنجلو-أفغانية الثلاثة مجتمعة. لقد بقيت ضعف المدة التي ظل فيها الإتحاد السوفياتي في أواخر السبعينيات والثمانينيات.
في كتابه الجديد عن الحرب التي إستمرت 20 عاما، “الفصل الخامس: نهاية أميركا في أفغانستان”، يشير إليوت أكرمان إلى أن معظم ما بنته الولايات المتحدة في أفغانستان كان هشاً هشاشة الرقائق الخشبية، وهو تعبير مجازي عن ترددنا بشأن المهمة. قارنوا ذلك مع البريطانيين، الذين سيصلون إلى بلد ما ويبنون بسرعة نصباً حجرية ترمز إلى إمبراطوريتهم الدائمة.
أعتقد أن أميركا ستكون دائماً متناقضة – إمبريالية الرقائق الخشبية.

أترك تعليق

لن يتم مشاركة بريدك الإلكتروني مع اي جهة أخرى - الرجاء مراجعة سياسة الخصوصية للموقع