September 27th, 2022

آخر الأخبار

news

زيارة بايدن إلى المنطقة بين الأجندة الأميركية “والحكمة” السعودية/ د. محمد سعد

على وقع الأحداث الكبرى الجارية على المستوى الدولي وأبزرها الحرب الروسية الأطلسية في أوكرانيا وما خلفتها من إصطفاف غربي غير مسبوق ضد روسيا وفشل العقوبات عليها، فضلاً عن الأجواء المتوترة في الإندو باسفيك حيث المواجهة الكبرى المرتقبة مع الصين، والحراك الإقليمي الحافل بالزيارات واللقاءات الثنائية والجماعية التي تجري بين عدد من قادة دول منطقة الشرق الأوسط، المتلازم مع الإعلان الصهيوني عن تشكيل تحالف دفاعي يضم عدد من الدول العربية والكيان الصهيوني لمواجهة “الخطر” الإيراني المزعوم، والذي عبر عنه ملك الأردن بحديثه عن تشكيل ناتو شرق أوسطي، إضافة إلى الأزمات الحادة التي تعصف بالدخل الأميركي كالتضخم غير المسبوق، وترايد المديونية الأميركية، والإنقسام الذي يسود المجتمع الأميركي، وتراجع شعبية بايدن إلى أدنى مستوى لرئيس أميركي، والصعود الصاروخي لأسعار الطاقة والتي يئن منها الأميركيون، والإنتخابات النصفية القادمة والتي تتحدث إستطلاعات الرأي عن عودة الجمهوريين وبقوة للإستحواذ على الأغلبية في الكونغرس الأميركي، يزرو الرئيس جو بايدن المنطقة في الفترة الممتدة من 13 إلى 16 تموز/يوليو المقبل، حيث من المقرر أن تشمل زيارته الكيان الصهيوني، السلطة الفلسطينية، والسعودية التي سيلتقى خلالها قادة دول مجلس التعاون الخليجي وكل من مصر والأردن والعراق.
زيارة الرئيس بايدن إلى المنطقة وصفتها صحيفة نيويورك تايمز الأميركية بأنها إنتصار للواقعية السياسية على القيم الأخلاقية، فهي تعتبر تراجع لبايدن عن تعهداته الإنتخابية التي روج لها قبل وبعد إنتخابه بجعل السعودية دولة منبوذة، وإتهام ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بأنه يقف خلف جريمة مقتل الصحافي جمال خاشقجي، وبالتشدد مع السعودية بسبب إستمرار حرب اليمن، وإنتهاكات السعودية لحقوق الإنسان، وعليه فأن السياق الجيوسياسي العالمي الذي يشير إلى حجم المأزق الاميركي ومعه الأوروبي دفع الرئيس بايدن إلى وضع التعهدات جانبا، لصالح أجندة جلها تقوم على تحقيق المصالح الأميركية ويمكن إيجازها بما يلي:
أولاً: الهدف المفصلي في زيارة الرئيس بايدن إلى المنطقة يقوم على إعادة تشكيل الساحة الإقليمية الشرق أوسطية وفق الحسابات الأميركية، وضبط إيقاع اللاعبين الرئيسين فيه، الذين تعتبرهم واشنطن تاريخياً جزء لا يتجزأ من أدوات سياستها الخارحية، خاصة مع إستمرار الحرب الأطلسية ضد روسيا في الشرق الأوروبي في ظل الفرز الدولي حيث الولايات المتحدة وأوروبا والناتو في جانب، وروسيا والصين وإيران وقوى أخرى في جانب آخر.
ثانياً: إعادة التوازن إلى المنطقة بعد إختلاله لصالح محور المقاومة، ولوضع حد لما يسميه فريق الرئيس بايدن “بالجموح والتهديد” الإيراني، وشواهده وفق رؤيتهم واضحة في سوريا واليمن ولبنان وفلسطين وإلى حد ما في العراق، وعليه يعتقد بايدن أن إجتماعه بدول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن والعراق سيشكل رسالة قوية لطهران، خاصة وأن الكونغرس الأميركي يعمل بشكل حثيث على إقرار قانون بعنوان “ردع الأعداء تعزيز الدفاعات” والذي يهدف إلى ربط دول المنطقة التي تدور بالفلك الأميركي بنظام أمني هو أقرب إلى الناتو بعنوان شرق أوسطي بقيادة أميركية ومشاركة صهيونية خليجية مصرية أردنية، تؤكد من خلاله واشنطن إلتزامها بأمن هذه الدول التي تزايدت شكوكها حيال تخليها عنهم.
ثالثا: على خطى الشعار الشهير أنه الإقتصاد أيها الغبي It’s the economy stupid الذي صاغه جيمس كارفيل الخبير الإستراتيجي مدير الحملة الإنتخابية للرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون عام 1992، يسعى بايدن ووفق شعار أنه النفط والغاز أيها الغبي It’s the oil stupid إلى إحتواء إنفجار الطاقة وتشظييه، فواشنطن فقدت السيطرة عليه باعتبار روسيا عضواً مهماً في سوق الطاقة العالمي، ولاعباً مؤثراً في أوبك بلاس، وإخفاقها في تحقيق المرجو من العقوبات ضد موسكو، لذا يهدف بايدن إلى ضرب قطاع الطاقة الروسي وحرمان موسكو من عوائده، ولتحقيق ذلك فإنه يحتاج إلى إقناع دول الخليج، وتحديداً السعودية، بزيادة إنتاجها من النفط لتعويض الحصة الروسية في أسواق الطاقة العالمية، لأن هذا بإعتقاد بايدن وحال إمساكه مجدداً بمفاتيح الطاقة في المنطقة سيدفع بالأوروبيين لمغادرة دائرة التردد، والذهاب بعيداً خلف المقاربة الأميركية للتعامل مع روسيا، فضلاً عن أن الزيارة وفق التصورات البايدنية ستوفر الفرصة المناسبة لإحتواء التقارب الروسي السعودي الذي إنسحب على مجالات أخرى غير الطاقة.
رابعاً: يسعى بايدن إلى دفع مسار التطبيع السعودي – الصهيوني قدماً، إذ يشكل إنضمام الرياض إلى إتفاقيات إبراهام والتي كانت أطلقتها إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، هدفاً أميركيا صهيونياً يعطي دفعاً كبيراً لتل أبيب لتثبيت مكانتها في المنطقة في ظل التهديدات الوجودية التي تحدق بها، واللافت أن الطائرة التي ستقل بايدن ستقلع من “تل أبيب” إلى جدة مباشرة، وهي الطريق نفسها التي سلكها ترامب عام 2017، حينما أقلعت طائرته من الرياض إلى “تل أبيب” مباشرة بعد حضوره القمة “العربية – الإسلامية – الأميركية”.
خامساً: ينظر بايدن بعين القلق إلى التعاون المتنامي بين السعودية والإمارات والصين، فالأخيرة أطاحت بالولايات المتحدة باعتبارها الشريك التجاري الأول للسعودية لتحل مكانها، فشركة هواوي تستحوذ على إستثمارات كبيرة في السعودية وغيرها من دول الخليج، كما أن الصين تشتري 1.8 مليون برميل يومياً من نفط السعودية، فبكين موجودة في مناطق الإنتاج السعودية الكبرى للنفط حيث إستثمارات شركاتها في منطقة الربع الخالي، وهناك مشاورات تجري بين الرياض وبكين لتسعير بعض مبيعاتها النفطية باليوان الصيني، في خطوة من شأنها أن تقلل من هيمنة الدولار على سوق البترول العالمي، الأمر الذي سيؤدي حال حصوله إلى كسر الهيمنة الأميركية في مجال تسعير الطاقة المعروفة بالبترودولار. والجدير ذكره أن الصينيون أستقبلوا بحفاوة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عام 2019، في مشهد عكس تنامي العلاقات بين الجانبين، وهذا ما دفع بايدن للتنازل عن كبريائه باعتبار أن المصالح الأميركية ستتضرر كثيراً جراء وقوفه متفرجاً على التحول الكبير في العلاقات السعودية الصينية.
الأخطر من كل ذلك في العلاقات السعودية الصينية وفق وجهة النظر الأميركية هو أن هذه العلاقات الإقتصادية والتجارية فتحت آفاق واسعة للعلاقات العسكرية والأمنية، فهناك توجس أميركي كبير في ما يتعلق بالمعلومات عن مساعدة الصين للسعودية على إنشاء وتطوير برنامج صاروخي، كل ذلك يعني أنه إذا إستمرت الأمور على هذا المنوال فان واشنطن لن تعود الشريك الإستراتيجي العسكري للرياض ما يعني تحولاً كبيراً في المنطقة.
سيستغل ولي العهد محمد بن سلمان زيارة بايدن إلى السعودية وسيعدها إنتصاراً كبيراً له، واعترافاً به باعتباره الحاكم الشرعي للمملكة، ومفتاحاً أساسياً لإعادة الزخم إلى العلاقات السعودية الأميركية، لدرجة أن تركي الفيصل أحد الأمراء السعوديين قال: “أن الشعبية المتدهورة للرئيس بايدن هي التي تدفعه إلينا، ويأمل أن يعزز شرعيته من خلال لقائه مع ولي عهدنا”.
إدارة بايدن شأنها شأن كل الإدارات المتعاقبة على البيت الابيض تقدم المصالح الأميركية الإستراتيجية والسياسية على ما عداها، فهاجس هذه الإدارة الذي يؤرقها يكمن في إضعاف روسيا وإحتواء الصين، فالمتغيرات الجيوسياسية العالمية تستوجب تجاوز الشعارات والوعود الإنتخابية وإنتقادات الداخل الأميركي الذي يرى بعضه أن مقاربات ادارة بايدن تقوم على إفتراضات غير واقعية ومبالغ فيها حول قدرة السعودية والإمارات على تعويض الصادرات الروسية من النفط، وهذا ما كشفته المحادثة التي جرت في إجتماع مجموعة السبع بين الرئسيان ماكرون وبايدن بمشاركة مستشار الأخير للأمن القومي جيك سوليفان، فضلاً عن أن الزيارة ستخلف شرخاً بين التيارين الواقعي والتقدمي داخل الحزب الديمقراطي الأميركي، الأمر الذي سينعكس مزيداً من التراجع للديمقراطيين في الإنتخابات النصفية للكونغرس الأميركي التي ستجري في 8 تشرين الثاني/نوفمبر 2022، في مواجهة الحزب الجمهوري المتراص والمتماسك.
سيقف بايدن في السعودية ليخاطب العالم ويقول أمام الصحافيين ما قاله ذات مرة الرئيس ريتشارد نيكسون في زيارته الشهيرة للسعودية عام 1974 في حضور الملك فيصل: “أنا أعلم أن كثيراً من الأشخاص على الأقل كما هو متوقع يأتون إلى السعودية للحصول على النفط، أما نحن يتابع نيكسون فنحتاج إلى ما هو أثمن من النفط، وهو الحكمة السعودية”.
ماذا تنفع “الحكمة” السعودية أن وجدت أقول أن وجدت الولايات المتحدة الأميركية التي تقوم سياستها “وحكمتها” الثابتة الشرق أوسطية على مبدأين، أولهما: الحفاظ على أمن “إسرائيل” وتفوقها، وثانيهما: ضمان امدادات الطاقة؟

أترك تعليق

لن يتم مشاركة بريدك الإلكتروني مع اي جهة أخرى - الرجاء مراجعة سياسة الخصوصية للموقع