آخر الأخبار

news

زلزال تركيا الجيوسياسي / د. محمد حسن سعد

لا يمكن للكوارث والزلازل الطبيعية أن تقتصر آثارها على الخسائر البشرية، فلهذه الكوارث آثار سياسية وإقتصادية، فضلاً عن الإطاحة بنظم وحكومات والإتيان بنظم وحكومات، تركيا تقدم لنا مثالاً حياً عن ذلك، إذ لم يكن يخطر على بال أحد منذ أكثر من عقدين ونيف أن يكون لحزب العدالة والتنمية الحديث النشأة، وذو التوجهات الإسلامية حظوظ في حكم البيئة العلمانية التركية، بمعنى آخر لم يكن هذا الحزب مرحباً به في الدولة الكمالية، لكن في 17 آب/أغسطس 1999 ضرب تركيا زلزال أزميد أو زلزال مرمرة أو زلزال غولكوك بقوة 7.6 على مقياس ريختر، واستمر لمدة 37 ثانية وأودى بحياة أكثر من 18 ألفاً شخص وإصابة عشرات الآف من الجرحى مخلفاً وراءه تقريباً نصف مليون شخص بلا مأوى، فضلاً عن تضرر أكثر من 285 ألف وحدة سكنية وزهاء 43 ألف مكان عمل، وأصبحت مدينة إزميد منطقة منكوبة، وكان من نتائج هذه الزلزال أن ساد بين الأتراك نقمة كبيرة على الائتلاف الحاكم، وفقدان ثقتهم بالأحزاب الحاكمة على الرغم من أنها كانت جزء لا يتجزأ من الحياة السياسية التركية منذ 80 عاماً، وتحسب برمتها على التيار العلماني العارم ذو النفوذ الهائل في تركيا التي أرسى دعائمها الحديثة مصطفى كمال أتاتورك، والتي لم تكن تتقبل فكرة وجود حزب إسلامي، فانطلقت شرائح واسعة من الأتراك تهلل وترحب لفكرة التغيير التي كان يرفعها حزب العدالة والتنمية وهو يشق طريقه نحو السلطة، حيث أجاد قادة حزب العدالة والتنمية تقديم أنفسهم باعتبارهم الأقدر على تمثيل الأتراك والنهوض بأوضاعهم، وهذا ما فتح الطريق لوصول الحزب الوليد إلى السلطة بعد مرور ثلاث سنوات على زلزال عام 1999، كل ذلك كان من بين أسباب فوزه (العدالة والتنمية) بثقة الشارع التركي في أول إنتخابات يخوضها عام 2002.
يوم السادس من شباط/ فبراير عام 2023 ضرب مدينة كهرمان مرعش زلزال بلغت قوته 7.8 درجات على مقياس ريختر، وامتد نحو الولايات الجنوبية بتركيا ومدن شمال سوريا ومعظم محافظاتها، مخلفاً دماراً هائلاً غير مسبوق، وأدى إلى سقوط عشرات الآف الضحايا والجرحى في كارثة هي الأسوأ منذ عقدين ونيف، إذ يعد هذا الزلزال الأقوى منذ العام 1999، مطلقاً ما يعرف في العلاقات الدولية بدبلوماسية الكوارث والإغاثة التي لن تطول مفاعيلها كثيراً، لتظهر بعدها التداعيات الجيوسياسية للزلزال على تركيا والخارطة السياسية فيها، وتحديداً بقاء حزب العدالة والتنمية في السلطة أو الإطاحة به كما حصل مع أحزاب الحكومات التي سبقته نتيجة زلزال عام 1999.
أن قراءة الواقع التركي قبل زلزال كهرمان مرعش كانت تؤشر بوضوح إلى تراجع حضور حزب العدالة والتنمية في المشهد السياسي في تركيا، الذي كان يشغل قادته وعلى رأسهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان منذ شهور انصرمت الفوز بالإنتخابات القادمة، معتمداً جملة من الإجراءات والقرارات الداخلية، وتحولات في السياسات الخارجية، نوجزها بما يلي:
1. كان من الواضح لمن يتابع الشأن الداخلي ومجريات الحياة السياسية التركية، أن الشغل الشاغل للرئيس التركي رجب طيب أردوغان وأركان حزبه وحكومته اتخاذ جملة من القرارات والإجراءات الغاية منها تخفيف وطأة الأزمة الإقتصادية، حتى ولو أدى ذلك إلى تضرر الإقتصاد على المدى الطويل مثال على ذلك: تطبيق تخفيض أسعار الفائدة وأن أدت إلى ارتفاع التضخم إلى أعلى مستوى له في 24 عاماً، ليصل إلى 85 بالمئة العام الماضي، كما انخفضت الليرة التركية إلى عُشر قيمتها مقابل الدولار خلال العقد الماضي، بالرغم من إدراك حكومة الرئيس أردوغان أن هذا الإجراء يتعارض مع أبسط القواعد الإقتصادية، وأن كانت غايتها كما تدعي تحفيز المواطنين الأتراك على الإقتراض لمواجهة الضائقة الإقتصادية التي يمرون بها، إذ شهد العقد الماضي من حكم العدالة والتنمية تراجعاً في الإزدهار، وهو ما يؤثر على شعبيته بين الناخبين، وما زاد الطين بلة أصرار الرئيس أردوغان على رفع الرواتب والأجور لمواجهة تكاليف المعيشية المرتفعة، ما أدى إلى مضاعفة التضخم بشكل كبير، ما ينذر بعواقب إقتصادية وخيمة واضطرابات مالية كبيرة في المستقبل المنظور.
2. تصعيد الخطاب السياسي للرئيس أردوغان وأركان حكومته وحزبه في مواجهة المعارضة التركية بعيد خسارتهم المدوية للمدن الثلاث الكبرى إسطنبول، العاصمة أنقرة، وإزمير في الإنتخابات البلدية عام 2019، فقد اعتبرت خسارة مرشح حزب العدالة والتنمية لمنصب رئيس بلدية اسطنبول أمام أكرم إمام أوغلو من حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي ضربة قاسية لأردوغان، الذي كان رئيس بلدية المدينة في التسعينيات، فرفض الأخير نتيجة الانتخابات، مصراً على إعادة إجرائها التي حملت نتائجها مجدداً أكرم أوغلو إلى رئاسة بلدية إسطنبول، وذهب الرئيس أردوغان أبعد من ذلك عندما مارس ضغوطاً هائلة على القضاء الذي أصدر حكم بسجن أكرم إمام أوغلو لمدة عامين، وحرمانه من خوض الإنتخابات الرئاسية بحجة إهانة مسؤولين رسميين، بعدما أظهرت نتائج إستطلاعات الرأي تقدم أكرم أوغلو على الرئيس أردوغان في الإنتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في أيار/مايو ـــ حزيران/يونيو العام2023، الأمر الذي أثار انتقادات واسعة داخل تركيا وخارجها، استغلته قوى المعارضة الرئيسية أو ما بات يعرف بأسم “الطاولة السداسية” لتوجيه الإتهام للرئيس وحزبه وحلفائه باستخدام نفوذهم وإساءة استخدام السلطة لحرمان خصوم الرئيس أردوغان الأقوياء مثل أكرم إمام أوغلو صاحب الشعبية الكبيرة في تركيا من حق الترشح، متعهدين بانهاء الديمقراطية الهشة وغير الكاملة وإعادة إحياء النظام البرلماني وإستقلالية البنك المركزي، ومسائل أخرى أقدم عليها الرئيس أردوغان وحزبه في سياق إحكام قبضتهم على السلطة في تركيا، من خلال طرحهم لمسودة الدستور الجديد المقترح بعنوان تركيا الغد والذي يتألف من 84 مادة في 156 صفحة والتي تقلب بنوده كل شيء في الحياة السياسية التركية.
3. إقرار البرلمان التركي قانوناً مثيراً للجدل حول الإعلام، اقترحه الرئيس رجب طيب أردوغان يقضي بسجن الصحفيين ومستخدمي وسائل التواصل الإجتماعي، بتهمة نشرهم معلومات كاذبة أو مضللة، لمدة تصل إلى ثلاث سنوات، رغم دعوات واسعة شعبية ونيابية ونشطاء حقوقيون وإعلاميون إلى إلغائه.
4. تستحوذ قضية اللاجئين السوريين في تركيا على حيز كبير من خطاب المعارضة في إطار انتقاداتها لسياسة الباب المفتوح التي اعتمدها الرئيس أردوغان، حيث تتصاعد الدعوات إلى ضرورة ترحيلهم إلى دول ثالثة أو إسكانهم في مخيمات أو مناطق معيشية محددة بدلاً من “الاختلاط في حياة المدينة دون إشراف”، ويظهر بوضوح أن الرئيس أردوغان يدرك حراجة موقفه وصعوبته في قضية اللاجئين التي يعمل على حلها بأسرع وقت ممكن من خلال إعادة ترميم العلاقات مع دمشق، لينزع من خصومه ورقة ضغط كبيرة عشية الإنتخابات المزمع إجراؤها، سيما وان هذه القضية تلقى اهتماماً متزيداً بين صفوف الناخبين الأتراك في ظل الأزمة الإقتصادية الصعبة التي تعيشها تركيا.
5. تصاعد حدة المواجهة الدائرة بين الأكراد والرئيس أردوغان والذي وعلى غرار القادة الأتراك السابقين، شن حملة شرسة على حزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا، والذهاب بعيداً في هذه المواجهة، فعمد إلى شن عمليات ضد القوات الكردية عبر الحدود، مما أدى إلى غضب الرأي العام الكردي في تركيا هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية السعي إلى حظر ثالث أكبر حزب في تركيا، وهو حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد، الذي أوقفت المحكمة العليا في تركيا التمويل الحكومي له في خطوة تسبق حظره، ومنع مرشحيه من خوض الإنتخابات المقبلة بسبب صلات مزعومة بالمسلحين الأكراد، كما ويقبع الزعيم السابق لحزب الشعوب الديمقراطي، صلاح الدين دميرتاش، في السجن منذ عام 2016 بتهمة إهانة الرئيس. فضلاً عن ممارسة الإبتزاز على كل من السويد وفنلندا اللتين تسعيان للإنضمام إلى الحلف الأطلسي، ودفعهما لتسليم عشرات الأكراد المقيمين فيهما لتركيا كشرط لقبول أنقرة بانضمام الدولتين إلى التحالف الغربي.
هذا بشكل عام على الصعيد الداخلي، فماذا على الصعيد الخارجي؟
1. ان المتابع لعلاقات تركيا الإقليمية والدولية يدرك حجم التحول والانعطافة التي يقوم بها الرئيس أردوغان على صعيد السياسة الخارجية التي كان قد اتبعها لفترة طويلة، والتي أدت إلى توتر علاقات أنقرة مع الكثير من الدول التي أحجمت عن الإستثمار فيها، ولكي يضمن الرئيس أردوغان الفوز في الإنتخابات فان عليه إعادة تنشيط العجلة الإقتصادية، لذا عمد منذ عامين ونيف على إعادة ترميم علاقات تركيا الخارجية، فأعلن عن عودة العلاقات الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني (علماً أن العلاقات الامنية والعسكرية لم تنقطع يوماً بين البلدين) متخلياً عن حركة حماس التي غادر بعض قادتها تركيا الذين كانوا يتخذونها مقراً لإقامتهم بناء على طلب رسمي تركي، فضلاً عن مسارعته إلى إدانة العمليات الفدائية التي ينفذها الفلسطينيون ضد الإحتلال الصهيوني، وسارع إلى مصالحة دول الخليج مشيداً بها وبدورها وأهميتها في المنطقة إقتصادياً وسياسياً وأمنياً، بعد أن كال لهذ الدول الإتهامات مهدداً ومتوعداً لها متدخلاً في شؤونها سيما في الأزمة الشهيرة مع قطر مرسلٍ قوات عسكرية إلى الدوحة، وفوق كل ذلك بادر إلى مصافحة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي والتقرب إليه بعد أن وصفه في فترات سابقة بالطاغية، وباقذع الاوصاف داعياً من على منبر قمة العشرين G20 إلى إجراء تحقيق في كيفية وفاة الرئيس المصري السابق محمد مرسي الذي وصفه بالشهيد، مشترطاً في حينها على الرئيس السيسي للقائه الافراج عن المعتقلين من جماعة “الاخوان المسلمين” في السجون المصرية.
كما استعجل إقامة علاقات وطيدة مع الإنقلابي عبد الفتاح البرهان، الذي أطاح حليفه العقائدي عمر البشير في السودان.
2. تراجع الرئيس أردوغان ووزراء حكوماته وأركان حزب العدالة التنمية عن الادعاء بأنهم ينطقون باسم غالبية الشعب السوري ويدعون تمثيل مصالحه، وتراجع أيضاً عن إيمانه واعتقاده القوي بانه سيصلي في المسجد الأموي في دمشق، وعن العملية العسكرية التي كان يعد لها في شمال سوريا بذريعة ملاحقة الإرهابيين كما كان يردد، والمقصود بهم وحدات حماية الشعب الكردية، الذراع السورية لحزب العمال الكردستاني التركي، لذا رأينا أالرئيس ردوغان يهرول نحو السعي لمصالحة سوريا، إذ بادر خلال إتصال هاتفي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلى مبادرة اقترح فيها عقد إجتماع ثلاثي يضم رؤساء روسيا وتركيا وسوريا، يكون بداية لسلسلة مفاوضات، يطرق الرئيس أردوغان من خلالها أبواب الرئيس السوري بشار الأسد لتحقيق تقارب معه لأول مرة منذ اندلاع الحرب في سوريا، وهذا باعتقادنا ما قد يغير خارطة الصراع بشكل كبير، ويخلق منعرجاً تاريخياً قد ينهي وجود أطراف أخرى في الأزمة، أو يضعف وجودها، خاصة إذ ما انصاع الرئيس أردوغان واستجاب لشروط الرئيس الأسد وفي طليعتها انسحاب جيش الإحتلال التركي من المناطق التي يحتلها في الشمال السوري، إذ أنه لن يتردد في وضع الجماعات المسلحة وما يسمى بالمعارضة السورية التي يدعمها على مذبح براغماتيته، وهو أيضاً بهذه الخطوة يطبق ما اصطلح عليه كوينسي رايت في كتابه “دراسة الحرب” عام 1942 بـ Bandwagoning أو الإتحاد مع دولة أقوى واعتبار إرادتها في الإقليم خارطة طريق للتسوية مع الجار والخصم القديم في دمشق”.
يعتقد الرئيس أردوغان أن المصالحة مع سوريا ستوفر وتؤمن أرضية مشتركة بينهما لمواجهة الجماعات الكردية المسلحة وتحديداً قسد التي ترأس الإدارة الذاتية في مناطق شمال شرق سوريا، وهذا سيضعف آمال الأكراد في إقامة كيانهم المستقل الذي يطمحون إليه وسيضعف قدراتهم إلى حد كبير، هذا من ناحية، من ناحية ثانية يتصور الرئيس أردوغان أن المصالحة مع الرئيس الأسد فرصة ثمينة لا تعوض لإعادة أكبر عدد ممكن من اللاجئين السوريين إلى بلدهم، وهذا ما سيؤدي إلى سحب هذه الورقة من المعارضة التركية، سيما وأن الأخيرة أعلنت وعلى لسان قادة أحزابها عزمها على مصالحة الرئيس الأسد أذ ما وصلت إلى السلطة وفازت بالأغلبية، وبهذا سيعيد الرئيس أردوغان تظهير نفسه باعتباره رمزاً بعيون الكثيرين من الأتراك كونه باعتقادهم أبعد الخطر الكردي، وخفف عن كاهل الإقتصاد التركي والداخل المنهك أعباء اللاجئين الذين ينظر إليهم على أنهم مزاحمون ومنافسون للأتراك في مجالات كثيرة.
3. علاقات الرئيس أردوغان المتأرجحة ممتدة أيضاً إلى نصف العالم الغربي، حيث العلاقات التركية – الأميركية – الأوروبية تمر بمنعرجات كثيرة تشي بعدم استقرارها وثباتها لفترات طويلة قادمة، فضلاً عن الريبة التي تحكم نظرة الغرب لعلاقات أرودغان ـــ بوتين والتي تقلق العواصم الغربية، حيث تزايــدت مؤشــرات العــداء لأنقــرة فــي الغــرب. وجــاء ملــف انضمــام كل مــن الســويد وفنلنــدا إلــى حلــف الأطلسي ليزيــد تعقيـدات العلاقـات بيـن تركيـا والـدول الغربيـة، فقـد أظهـرت أنقرة قدراً من التعنت، وفرضت شروطاً مــن أجــل قبــول عضويــة الدولتين في الحلف، وهـو الأمر الـذي دفـع البعـض إلـى القـول بــأن سياســات تركيــا قــد تــؤدي إلــى تفكيــك حلف الأطلسي. ولــم يتوقــف الأمـر عنـد هـذا الحـد، بـل خرجـت بعـض التظاهـرات فـي دول أوروبيـة ترفـع شـعارات مناهضـة للديـن الإسـلامي أمام السـفارات التركيـة. إضافة إلى سياسة الإبتزاز التي مارسها الرئيس أردوغان في ما يتعلق بموضوع اللاجئين الذين شرع لهم أبواب تركيا كمحطة كبيرة يتدفقون عبرها إلى الدول الأوروبية التي تتنازع في ما بينها لتقاسم أعباء اللجوء، الذي بات يشكل خطراً كبيراً على الدول الأوروبية مع تصاعد الحرب الأطلسية الروسية في أوكرانيا ونزوح الملايين من الأوكران إلى دولها، دون أن ننسى ملف إنضمام تركيا إلى الإتحاد الأوروبي والذي يزيد من صدع الخلافات بين أنقرة وبروكسل.
كانت هذه الصورة قبل 6 شباط/فبراير، لكن مع الزلزال الذي ضرب تركيا تغير كل شيء، إذ ان هول الكارثة التي خلفت عشرات الآف من الضحايا ومئات الآف المنكوبين، ودماراً هائلاً في الابنية والممتلكات دفع باتجاه تغير الأولويات التي بات على رأسها مواجهة واحتواء تداعيات الزلزال المدمر وبالتالي فان الإنتخابات المقبلة في تركيا ستكون العنوان الابرز للفوز بها من خلال طريقة تجاوز اثار هذه النكبة الكبرى، فالناخب التركي سيعطي صوته للرئيس أردوغان وحزبه إذ تمكن من إدارة الأزمة التي خلفها الزلزال بكفاءة عالية، والعكس صحيح، وعليه فان الحياة السياسية في تركيا ابتداء من 6 شباط/فبراير ولشهور قادمة سيتعلق بالزلزال وتداعياته، فثمة آلة إعلامية كبيرة تسلط الضوء على الرئيس أردوغان وحكومته باعتبارهم يديرون أزمة أمن قومي، وعند الامتحان يكرم المرء أو يهان، وبالتالي سيشكل الزلزال مادة دسمة لافرقاء السياسة في تركيا، فالمعارضة ستهاجم الحزب الحاكم وطريقة ادائه وعدم كفاءته وفشله واخفاقه في إحتواء كارثة الزلزال، فيما سيستغل الرئيس أردوغان الحدث الطبيعي ليهاجم المعارضة ويقدم الأعذار لحكومته، لانه يدرك أن المعارضة ستذهب بعيداً في توجيه الإتهامات إليه خاصة وأنه يتحكم بالمشهد السياسي في تركيا منذ عقدين من الزمن، وبالتالي كل هذا الإنهيار هو صنيعة سياساته التي اعتمدها، إضافة إلى شبهات الفساد التي رافقت الطفرة العمرانية في تركيا، والتي عادت إلى الواجهة بقوة بعد الدمار الهائل للزلزال، وعليه قد يلجأ الرئيس أردوغان إلى تأجيل الإنتخابات باعتبار أن البنية التحتية لذلك لن تكون جاهزة لاجرائها في موعدها، خاصة بعد اعلانه حالة الطوارىء في 10 محافظات تركية قابلة للتمديد نظراً لحجم الدمار الهائل والذي يستوجب رفعه وازالته شهور عدة، وعليه فأن حزب العدالة والتنمية باعتباره الحزب الحاكم قد يقدم على خطوة التاجيل إذا ما تبين له أن ذلك يصب في مصلحته.
كما أن الرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية قد يذهبان باتجاه إستغلال واقعة الزلزال كما إستغل منذ سنوات خلت واقعة الإنقلاب عام 2016 لتصفية حساباته مع خصومه وكل من يتجرأ على إنتقاد الرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية.
أن الرئيس التركي المنشغل في إحتواء كارثة الزلزال لن يفكر في إطلاق عملية عسكرية في شمال سوريا لتوجيه ضربة قوية لقسد، وهذا يعني عملياً وعلى الأرجح تأجيلها إلى أجل غير مسمى، لأن المسألة الكردية الضاغطة على الحدود لم تعد تمثل قضية رأي عام ملحة وأساسية، كما أن الأكراد أنفسهم منشغلون باحتواء آثار الزلزال في المناطق التي يسيطرون عليها.
ولأن كارثة الزلزال واحتوائها تقدمت على ما عداها، إذ لم تعد مسألة لقاء الرئيس الأسد والمصالحة مع سوريا أولوية في السياسة الخارجية التركية، وبالتالي لم تعد هذه المسالة قضية إنتخابية ذات تأثير كبير ومحوري يتبارى على كسبها كلا الطرفين السلطة والمعارضة في تركيا.
يدرك الرئيس أردوغان أن الرئيس الأسد لا تشغله اليوم مسألة المصالحة مع تركيا بل قضايا اخرى كتلبية إحتياجات شعبه المحاصر، ورفع آثار الكارثة التي ضربت سوريا أيضاً نتيحة الزلزال، وبالتالي لا أولوية له سوى ذلك، كما أن ثمة أمر غير منطقي في الوقت الراهن يتمثل في فتح الباب لعودة ملايين اللاجئين السوريين إلى بلدهم بطريقة فوضوية وغير منظمة ومتفق عليها وفق قواعد صحيحة ومدورسة.
صحيح أن زلـزال تركيـا جـاء ليسـمح بقـدر مـن التهدئـة فـي العلاقـات بيـن تركيـا والـدول الغربيـة، لكن مـن الصعـب القـول إن التضامـن الغربـي مـع تركيـا سـيؤدي إلــى تغيــر راديكالــي فــي مســار العلاقــات بيــن الطرفين، نظراً إلـى طبيعـة الملفـات المعقـدة التـي تشـتبك فيهـا تركيـا مـع الـدول الغربيـة.
وعليه يمكن القول: سواء جرت الإنتخابات في أيار/مايو ــــ حزيران/يونيو القادمين أو بعد شهور من موعد إجرائها ستبقى كارثة الزلزال وطريقة إدارتها والتعامل مع تداعياتها النقطة المفصلية في تحديد نتائج الإنتخابات التركية، ومصير الرئيس أردوغان وحزبه الحاكم، لناحية إعادة انتخابه وتجديد الثقة به أن تمكن من إخراج تركيا من كارثتها الزلزالية ووضعها على سكة التعافي، أو تسقطهم وتطيح بهم كما أطاح زلزال 1999 بحكومات وأحزاب تقليدية كانت تعتبر من أسس وصميم الحياة السياسية التركية على مدار ثمانية عقود، أي منذ قيام الجمهورية التركية على يد مصطفى كمال أتاتورك.
كما أن إزاحة أردوغان من الحياة السياسية التركية أن حصلت سيكون لها تداعيات كبرى على كل دول الشرق الأوسط، وعلى العالم برمته، فلهذا الرجل سواء اختلفت أو اتفقت معه تأثير ملحوظ في الساحتين الإقليمية والدولية، فهو اعتاد أن يدس أنفه في كل شاردة وواردة، كبيرة أو صغيرة، فهو حاضرٍ دوماً في مجريات أمور المنطقة والعالم، رحيل أردوغان عن المشهد السياسي التركي يعني حتماً تغيير وجه تركيا الداخلي وسياساتها وعلاقاتها الخارجية والدولية.
في السادس من شباط/فبراير عام 2023 أختلف شكل تركيا على الخارطة، مدن فيها تغير وجهها، ومواطنون ابتلعتهم المباني، وكأنها القيامة إمتدت على مساحة كبيرة من تركيا، فهل تتغير الخارطة السياسية التركية بعد الإنتخابات؟ وهل تبتلع نتائجها أردوغان وحزبه؟ أم تعيده بطلاً قومياً؟
للحديث صلة.

أترك تعليق

لن يتم مشاركة بريدك الإلكتروني مع اي جهة أخرى - الرجاء مراجعة سياسة الخصوصية للموقع