October 19th, 2021

آخر الأخبار

روبرت مالي والملف النووي الإيراني: الخلفية، الدور، التحديات والآفاق

news

محمد حسن سعد
أثار قرار الرئيس الأميركي جو بايدن تعيين روبرت مالي مبعوثاً خاصاً لإيران عاصفة كبيرة من الانتقادات والاعتراضات في داخل الولايات المتحدة، وفي العديد من دول المنطقة، خاصة في الخليج “وإسرائيل”، فضلاً عن وضع كلا من طهران وواشنطن شروطاً مضادة متعارضة لمسار العودة الشاقة للإتفاق النووي، ما يدل على أنّ مهمة مالي صعبة ومعقدة.
في هذه الدراسة سنتعرف على روبرت مالي، خلفيته ونشأته علومه ودراسته، أرائه ومواقفه ودوره في الإدارات الأميركية الديمقراطية (كلينتون، وأوباما)، وافاق الدور المحتمل بعيد تعينه مبعوثاً خاصاً للرئيس بايدن لإيران، رصد ردود الفعل المعارضة على تعينه والتحديات التي تعترض مهمته.
من هو روبرت مالي؟
روبرت مالي هو إبن الصحفي المصري سيمون مالي، اليهودي اليساري المقرب من الشيوعيين، والذي ولد في القاهرة، وانتقل إلى نيويورك، حيث عمل كمراسل لصحيفة “الجمهورية” المصرية لشؤون الأمم المتحدة بتوجيه وتكليف من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، والتقى هناك بربرا مالي (سابقاً سيلڤرستين) النيويوركية التي كانت تعمل في بعثة جبهة التحرير الوطني الجزائرية لدى المنظمة الدولية، وتزوجها لينجب منها روبرت عام 1963، قبل أن ينتقل سيمون مالي مع عائلته إلى باريس عام 1969، حيث أسس مجلة ” أفريكاسيا.”
كرس سيمون مالي صفحات المجلة للحديث عن حركات التحرر في بقاع العالم، وكتب مئات المقالات في دعم حركات التحرر مناصراً لها، وساهم بشكل كبير في وضع جبهة التحرير الوطنية الجزائرية على خريطة اهتمامات العالم، حسبما ورد في تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية. ناصر القضية الفلسطينية وحركات تحريرها الوطنية، فاجرى مقابلات جريئة ومطولة مع كل من الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات والرئيس الكوبي الراحل فيديل كاسترو واوليفر تامبو المناضل والمناهض لنظام الفصل العنصري ورئيس المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا حين كانت وسائل الإعلام الغربية لا تجرأ على ذلك.
في عام 1980 سببت كتاباته عن الممارسات القذرة والسياسات الوحشية الفرنسية خلال الحقبة الاستعمارية في القارة الأفريقية غضب كبيراً في أوساط الحكومة الفرنسية المحافظة واليمين الفرنسي قبل الإنتخابات الرئاسية الفرنسية عام 1981، وحلفائهما الأفارقة أمثال ملك المغرب السابق الحسن الثاني والحاكم العسكري السابق لزائير (جمهورية الكونغو الديمقراطية حالياً) موبوتو سيسيسيكو، فأمر الرئيس فاليري جيسكار ديستان بطرد سيمون مالي (الذي كان في ذلك الوقت يحمل جواز سفر أميركياً لأن أنور السادات منع تجديد جواز سفره المصري حارماً إياه من الجنسية المصرية بسبب إنتقاداته اللاذعة وهجومه العنيف على السادات ونظام حكمه)، فتم أخذه بشكل غير رسمي من سيارة أجرة من قبل الشرطة ووضعه على متن إحدى طائرت المتوجهة إلى نيويورك من دون جواز سفره، إلا أنّ أحد أفراد طاقم الطائرة المتعاطفين معه لم يخبر السلطات الأمريكية أن مالي كان على متن الطائرة، وبدلاً من ذلك وضعه على متن أول طائرة عائدة إلى أوروبا. أمضى مالي الأب ثمانية أشهر يحرر جريدته من جنيڤ، وبعيد فوز الحزب الإشتراكي في إنتخابات عام 1981 سمح له الرئيس الفرنسي المنتخب انذاك فرانسوا ميتران بالعودة الى فرنسا.
تركت هذه الأفكار والتوجهات والتجارب العملية والمثيرة، تأثيرها الواضح في تشكيل شخصية الإبن (روبرت) الذي رافق والده مطاردًا وملاحقاً من عاصمة إلى أخرى، بسبب مواقفه السياسية وآرائه المكتوبة وتوجهاته التحررية، وهو ما جعله في قلب الأحداث وعلى إطلاع كامل على أوضاع المنطقة ووقائعها ومجريات الأمور فيها، ومفردات التعامل معها.
دراسته وعلومه
تلقى روبرت مالي علومه ودراسته في عدد من أرقى وأهم الجامعات في العالم، التحق بجامعة “يال”، وفي عام 1984 حصل على منحة رودوس للدراسة في جامعة أكسفورد البريطانية حيث حصل على دكتوراه في الفلسفة السياسية وكانت أطروحة تخرجه بعنوان “العالم الثالث واضمحلاله”، ثم حصل لاحقا على الدكتوراه في القانون من كلية الحقوق في جامعة هارڤرد التي زامل فيها الرئيس السابق باراك أوباما، حيث توطدت علاقتهما كثيراً.
وفي عام 1996 نشر مالي، كتاباً حمل عنوان “صرخة الجزائر” واستعرض فيه بالبحث والتحليل تجرية الجزائر في التحول من الثورة واليسار إلى ساحة صراع مع الإسلام السياسي.
كما إشترك مع الباحث في جامعة إكسفورد حسين آغا في نشر العديد من الأبحاث والدراسات تناولت قضايا ومشاكل الشرق الأوسط مثل: “كامب ديفيد ومأساة الأخطاء” و”المفاوضات الأخيرة” و”ثلاثة رجال في مركب واحد” و”حماس ومخاطر السلطة” و”الثورة العربية المضادة”.
يتحدث روبرت مالي، الإنكليزية والفرنسية والعربية، حيث عمل مديراً للديمقراطية وحقوق الإنسان والشؤون الإنسانية في مجلس الأمن القومي من العام 1994 إلى العام 1996، ثم كمساعداً لمستشار الأمن القومي ساندي بيرجر من العام 1996 ولغاية 1998 في إدارة الرئيس بيل كلينتون، حيث عينه الأخير مساعداً خاصاً له للشؤون العربية ـــ الإسرائيلية خلال الفترة الممتدة 1998-2001، ثم عينته إدارة أوباما “رجلها الرئيسي” في الشرق الأوسط، حيث يقود مكتب الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي، وفي تشرين الثاني/نوفمبر عام 2015، تم تعيين مالي مستشاراً خاصاً للرئيس أوباما ومنسقاً للإستراتيجية الأميركية ضد داعش، كما أنه يعتبر أحد عرابي الإتفاق النووي الإيراني في عهد أوباما، وفي تلك الآونة، كانت مستشارة الأمن القومي الأميركي، سوزان رايس، قد وصفت مالي بأنه واحدٌ من أكثر مستشارييها الموثوق بهم وأحد أكثر خبراء دولتنا احتراماً في مجال الشرق الأوسط.
وفرت هذه المواقع والمناصب ووجوده في دوائر صنع وإتخاذ القرار في واشنطن خبرة كبيرة لمالي في شؤون الشرق الاوسط وشمال أفريقيا، فضلاً عن خبرته الواسعة في الصراع العربي الاسرائيلي وتحديداً ما يتعلق منه بمسار التسوية والقضية الفلسطينية، والملف النووي الإيراني، ما جعله عرضة لهجمات كثيرة وعنيفة من صقور الحرب الأميركيين وشركائهم الصهاينة.
مالي في مرمى التصويب
في 21 كانون الثاني/يناير عام 2021، كتب الصحفي المحافظ إيلي ليك مقال رأي في بلومبرج يجادل فيه بأن على الرئيس بايدن لا يعين مالي كمبعوث له لإيران لأنه يتجاهل إنتهاكات حقوق الإنسان في إيران و”الإرهاب الإقليمي”.
وفي نفس السياق أعاد السناتور الجمهوري توم كوتون وضع مقال ليك على حسابه على توتير معلقاً بتغريدة يقول فيها: “مالي لديه سجل حافل من التعاطف مع النظام الإيراني والعداء تجاه إسرائيل، لن يصدق آيات الله حظهم إذا تم اختياره”. كما غرد جو ويلسون العضو الجمهوري في مجلس النواب الأميركي، بأنه “قلق للغاية” بشأن التعيين المحتمل لروبرت مالي، وكتب: “مالي له علاقات وثيقة مع النظام الإيراني، والمجرم بشار الأسد، وإرهابيي حماس”، كما ووفقًا لـ صحيفة “جويش إنسايدر” الأميركية، فقد التقى مالي، بوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف عندما سافر إلى نيويورك في عام 2019 لحضور إجتماعات الأمم المتحدة.
إضافة إلى ذلك فإن الإيرانيون المؤيدون لتغيير النظام مثل مريم معمار صادقي، والصحفيون الأميركيون المحافظون مثل جويل بولاك من بريتبارت (Breitbart News) وهو موقع إخباري أميركي ينشر محتوى سياسي يميني متطرف من مصادر عدَة ومن ضمنها مقالات أخبار ورأي وتحليل، والمنظمة الصهيونية الأميركية اليمينية المتطرفة، يعارضون مالي، حتى ان رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو أعرب عن معارضته لتعيين مالي، كما قال يعقوب عميدرور(هو جنرال سابق في الجيش الصهيوني)، المستشار المقرب لرئيس الوزراء، إنه إذا أعادت الولايات المتحدة الانضمام إلى الاتفاق النووي الايراني، فقد تقوم “إسرائيل” بعمل عسكري ضد إيران. وقد بدأت العديد من المنظمات واللوبيات تنظيم الإلتماسات ضد مالي لتغييره وعزله على موقع Change.org،( change.org هو موقع غير ربحي تديره شركة أميركية تحمل نفس الإسم، يعمل الموقع على تسهيل الإلتماسات من قبل الجمهور العام من خلال إنشاء عرائض إلكترونية والدعوة للتوقيع عليها بهدف تغيير شيء ما. يتوفر الموقع على أكثر من 100 مليون مستخدم، ويُستضاف لرعاية حملات لمنظمات خيرية).
ما الذي يجعل مالي يشكل كل هذا التهديد لهؤلاء المعارضين للمحادثات مع إيران؟
يعتبر مالي هو النقيض الجذري لممثل ترامب الخاص لإيران إليوت أبرامز، الذي كان هاجسه وهوسه هو إضعاف الإقتصاد الايراني وإثارة الصراع في طهران على أمل تغيير النظام فيها، من ناحية أخرى، وصف مالي سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بأنها “سلسلة من الشراكات الفاشلة، والمقاربات المدمرة” التي تتطلب “تأملًا ذاتيًا” لإعادة رسم خطوطها العريضة، وتحديد الإستراتيجية المستقبلية للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط، وهو يؤمن بضروة إعادة إحياء الدبلوماسية وتفعيل قنواتها للتواصل مجدداً مع إيران.
وجه مالي سهام إنتقادتة الشديدة والقاسية لسياسة ترامب تجاه إيران. ففي مقال مشترك لمالي وفيليب غوردن في مجلة أتلانتيك، نددا فيها بخطة ترامب للإنسحاب من الإتفاق النووي الإيراني ودحضا الإنتقادات بشأن عدم تمديد بنود إنقضاء المدة في الصفقة لسنوات أخرى.. وكتبا قائلين: “إن الطبيعة المحددة زمنياً لبعض القيود في خطة العمل الشاملة المشتركة أي الاتفاق النووي الإيراني ليست عيباً في الصفقة، لقد كانت شرطاً مسبقًا لها”، وعليه فان “الخيار الحقيقي في عام 2015 كان بين التوصل إلى صفقة قيدت البرنامج النووي الإيراني لسنوات عديدة، وتكفل إجراء عمليات تفتيش مفاجئة إلى الأبد، أو عدم عقد صفقة على الإطلاق.”
كما ذهب مالي في مقال آخر كتبه أيضاً في مجلة مجلة اتلانتيك الى دعوة الاوروبيين لانتهاز الفرصة والوقوف في وجه سياسات ترامب، وتصعيد لهجتهم ضده للجم تطلعاته المتهورة والمجنونة، لانه بمقدورهم وضع حد لمقارباته المتطرفة حيال الإتفاق النووي الإيراني، ومسار التسوية في الشرق الأوسط، فضلا عن تشجيع ترامب الدول الأوروبية للإقتداء بالبريكست البريطاني.
لدى صقور اليمين واللوبي الصهيوني سبب آخر لمعارضة مالي ووجوده في أي موقع، ويتمثل في رفضه إظهار الدعم الأعمى للكيان الصهيوني. ففي عام 2001، شارك مالي مع حسين آغا في تأليف مقال مطول ومفصل: “كامب ديفيد: مأساة أخطاء”، في عدد 9 أغسطس/آب من مجلة نيويورك ريفيو أوف بوكس، اذ اعتبرا فيه أن الفشل النهائي لكامب ديفيد يجب أن ينسب إلى كل من الرئيس كلينتون، ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك، ورئيس السلطة الفلسطينية آنذاك ياسر عرفات. هذه القراءة والتقديرات السياسية تتناقض مع المقاربات والتقديرات السائدة في كل من الكتابات الأميركية والإسرائيلية، التي تعتبر الرئيس عرفات المسؤول الرئيسي والوحيد عن فشل المفاوضات.
مالي وآغا أضافا أيضاً أنه مِن الأسباب الرئيسية لفشل مفاوضات كامب ديفيد هي تكتيكات رئيس الوزراء “الإسرائيلي” آنذاك إيهود باراك، وجوهر اقتراحه الذي جعل من المستحيل على عرفات قبول عرض باراك، ما جعل مالي هدفا لسهام الأوساط الأميركية الموالية لإسرائيل، التي اتهمته بالإنحياز للفلسطينين ضد “إسرائيل”.
من جانبها رأت صحيفة “إسرائيل هَيوم” اليمينية الإسرائيلية أنه “إذا كان هناك أخبار سيئة، وهناك الكثير منها منذ تنصيب بايدن في الرئاسة – فإن تعيين روبرت مالي في هذا المنصب من تلك الأخبار”.
واستحضرت الصحيفة موقف مالي الذي أطلقه في أحد مقالاته عقب محادثات كامب ديفيد التي شارك فيها، حيث حمل مسؤولية فشل المحادثات لرئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود باراك، مدعية أنه برأ ياسر عرفات”.
وتابعت: “حسب وجهة نظره، يتعين على الإدارة الأميركية الجديدة قبل كل شيء القضاء على المبادرات التي أطلقها الرئيس ترامب خلال سنواته في البيت الأبيض تجاه إيران. هذه أولوية أولى”.
وأشارت الصحيفة إلى أن “مالي يعتبر أن إسرائيل هي المشكلة، والحل مرتبط بمعالجة هذه “المشكلة”. وهذا يشمل وقف “الضم الزاحف” كما يقول، والدفاع عن الفلسطينيين، بمن فيهم من هم في القدس الشرقية وغزة. غزة تعاني جراء حالة طوارىء إنسانية كنتيجة “للحصار”.
واختتمت الصحيفة “مالي هو النموذج الكلاسيكي لشخص لديه مقاربة أيديولوجية مؤيدة جداً للفلسطينيين – وبالنسبة إلى الديمقراطيين – يعكس هذا النهج تأييداً لإيران أيضاً – مغطاة بلغة مؤسساتية من النخبة الدبلوماسية الدولية”.
في كانون الأول/ديسمبر من السنة الماضية أنشأ مالي تحالفاً بين “مجموعة الأزمات الدولية” وبين الهيئة التي يترأسها دانيال ليفي المعروف في الأوساط المحيطة بإيهود باراك ويوسي بيلين. بالاستناد إلى المواقف التي عبر عنها مالي وليفي مؤخراً، هما قريبان في الموضوع الفلسطيني من منظمة “بتسيلم”( بتسيلم هي منظمة غير حكومية إسرائيلية، تصف نفسها بأنها “المركز الإسرائيلي للمعلومات عن حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة”. أقيمت في 3 شباط/فبراير عام 1989 على يد أشخاص إسرائيليين ذوي تأثير، بما فيهم محامون، أكاديميون، صحافيون، وأعضاء كنيست). الوثيقة التي أصدرها المعهد الذي يترأسه مالي في منتصف كانون الأول/ديسمبر 2020 تكشف وجهة نظره، ويمكن من خلالها إستخراج الخلاصات بشأن دبلوماسيته الإيرانية. بحسب وجهة نظره، يتعين على الإدارة الأميركية الجديدة قبل كل شيء القضاء على المبادرات التي حققها الرئيس ترامب خلال سنواته في البيت الأبيض. “هذه أولوية أولى”.
تجدر الاشارة إلى أنّ تعيين مالي في منصبه كمبعوث للملف الإيراني لا يتطلب موافقة من مجلس الشيوخ، لذا بات مؤكداً سعي عدد كبير من الجمهوريين وبعض الديمقراطيين لتحويل مالي إلى هدف مناسب كجزء من معارضتهم لإحياء الاتفاق النووي الإيراني.(بعد اخفاق الرئيس بارك اوباما بتمرير الإتفاق النووي الايراني في مجلس الشيوخ نتيجة للمعارضة الكبيرة له من أعضاء المجلس عن الحزبين الجمهوري والديمقراطي، عمل على إقراره بأمر تنفيذي وهي صلاحية خوله الدستور للرئيس، وهذا ما سهل على ترامب الإنسحاب من الإتفاق بأمر تنفيذي منه).
كما تواجه إدارة بايدن معضلة كبيرة تتمثل بالرفض الإسرائيلي لأي تفاوض أميركي مع إيران، وعودة واشنطن إلى الاتفاق النووي الايراني الموقع في العام 2015، وتهديد “إسرائيل” بتحويل هذا الرفض والاعتراض إلى خيار عسكري، وهذا ما أعلنه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، أفيف كوخافي، أواخر كانون الثاني/يناير الماضي عن معارضة “إسرائيل” لرغبة الرئيس الأميركي الجديد إستئناف الإتفاق النووي من جديد. وقال كوخافي إن “الاتفاق النووي الأصلي كاد أن يؤدي إلى التحول النووي للشرق الأوسط”.
وأضاف كوخافي أن “العودة إلى الاتفاق النووي لعام 2015 أو حتى التوصل إلى إفاق مشابه ومعدل سيكون إتفاقاً سيئاً على المستويين العملي والإستراتيجي، لذا يجب عدم السماح لذلك”. وأكد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي أنه أصدر تعليماتٍ إلى “الجيش الإسرائيلي” لوضع عدد من الخطط العملياتية فيما يتعلق بإيران. وعلى الرغم من ذلك، يبقى تنسيق “إسرائيل” مع الولايات المتحدة لشن مثل هذه الضربات ضد إيران أمراً ضرورياً خاصة إذا كانت ضربة كبرى مؤثرة.
كما تعرض مالي وما يزال لحملة شعواء قبل وبعد تعيينه في منصبه الجديد قادتها جماعات ضغط محلية أميركية مدعومة بسيل من الكتابات والمقالات والتقديرات لعدد من مراكز الدراسات الأميركية المعروفة بميولها اليمنية المتشددة والتي تتلقى أموالاً طائلة من عدد من الدول الخليجية على خلفية دوره الكبير ومشاركته المحورية في المفاوضات التي أثمرت الإتفاق النووي الإيراني الذي تعتبره هذه الدول هزيمة لها، ونصراً لإيران واعترافاً بدورها في المنطقة، فضلاً عن توقيعه مع عدد من كبار أعضاء إدارة بايدن الحالية، بمن فيهم وزير الخارجية أنطوني بلينكين ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان، رسالة في عام 2018، يعترفون فيها بفشل سياسة إدارة أوباما في اليمن. وكان روبرت مالي قد قال في مقابلة تلفزيونية العام الماضي حول الإحتجاجات الإيرانية في كانون الثاني/يناير عام 2018 وتشرين الثاني/نوفمبر عام 2019: “ما يحدث في إيران لا يؤدي إلا إلى تعزير الشك في أذهان المسؤولين الإيرانيين بأن أميركا والسعودية وإسرائيل تريد إضعاف إيران. إنهم محقون في الاعتقاد بذلك. إنهم مقتنعون بأن الولايات المتحدة وإسرائيل والمملكة العربية السعودية يعملون أي شيء من أجل إضعاف إيران”، كلام مالي فسر في حينه على أنه إنحياز لإيران. وما زاد الطينة بلة عند هؤلاء ودفعهم لتسعير حملتهم ضده أكثر فأكثر، مقاله المشترك مع ستيفن بومبر بعنوان التواطؤ في المذبحة: كيف مكنت اميركا الحرب في اليمن، الذي سينشر في دورية الفورين أفيرز في عدد الذي سيصدر في آذار/نيسان 2021، إذ سلط الكاتبان الضوء على الدورين الرئيسين السعودي والإماراتي في الحرب على اليمن، وتحمليهما مسؤولية كبيرة حيال الكارثة الإنسانية وما آلت إليها الأمور في اليمن، وتسألا فيها: كيف انجذبت الولايات المتحدة إلى هذه الفوضى البائسة، واعتبرا إلى أنّ للولايات المتحدة يد كبيرة في ما جرى في اليمن منذ البداية، وبالتالي يجب أن تتحمل المسؤولية عن دورها في المأساة لأسباب أخلاقية واستراتيجية على حد سواء، وخلص الكاتبان إلى المحصلة التالية: “الحرب في اليمن مأساة لشعبها ومصدر دائم لعدم الاستقرار في المنطقة وجرح مفتوح للولايات المتحدة. في هذه المرحلة كيفما تنتهي الحرب، فإنها من غير المرجح أن تنتهي بشكل جيد. على أقل تقدير، فإن الولايات المتحدة مدينة لنفسها ولضحايا الحرب بأن تتعلم شيئاً من الكارثة. هناك طريقة واحدة يمكن من خلالها لتجربة اليمن أن تفيد بها واشنطن والعالم وهي إجبار المسؤولين الأميركيين على إعادة النظر صراحة في موقف الولايات المتحدة في الخليج وإدراك مدى سهولة عدم التورط في كارثة”.
وفيما يعتقد بأنه إحتواء للمعارضة الشديدة لتعيين مالي من قبل إدارة الرئيس بايدن، وللذين قالوا ان صدقية وزير الخارجية انتوني بلينكن قد تضررت جراء تعيين مالي الذي سيضعف موقف الولايات المتحدة، نقلت مصادر مقربة من الإدارة الأمريكية لموقع أكسيوس (Axios) أن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن طلب من المبعوث الأميركي الجديد لإيران روبرت مالي تشكيل فريق تفاوض يتكون من دبلوماسيين وخبراء، لهم مواقف مختلفة بشأن مستقبل الإتفاق النووي، والاستعانة كذلك بأشخاص ممن يوصفون بالصقور.
ورأى الموقع أن هذه التعليمات تشير إلى أن إدارة بايدن تحاول تجنب الاعتماد على تفكير فريق واحد عند صياغة سياساتها بشأن إيران، وأخذ وجهات النظر المتنوعة في الاعتبار.
تدرك إدارة بايدن حجم معارضة الكيان الصهيوني، وعدد من الدول الخليجية وتوجسها بشأن نيتها العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني، لذلك ترى هذه الإدارة أن خبرة مالي في “إسرائيل” واستعداده للتحدث مع جميع الأطراف ستكون ميزة يجب استثمارها.
يدرك مالي أن العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني يجب أن تتم بسرعة، لكنها لن تكن سهلة على الاطلاق. إذ من المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية الإيرانية في حزيران/يونيو القادم، وعليه يحتاج الأمر إلى التريث لمعرفة طبيعة إنتماء الرئيس المقبل في إيران كونه من الجناح المتشدد أو الجناح الاصلاحي أو غير ذلك. بمعنى أكثر وضوحاً، صورة المشهد السياسي في إيران خلال الفترة المقبلة، مما قد يجعل المفاوضات مع الولايات المتحدة أكثر صعوبة هذا من ناحية، من ناحية ثانية ينبغي الأخذ في الحسبان نتائج الانتخابات الإسرائيلية القادمة في اذار/مارس 2021، والتصعيد الاسرائيلي المستمر ضد ايران ودورها ونفوذها وبرنامجها النووي وقدراتها الردعية، فضلاً عن ان إدارة بايدن تعمل بقوة على أن يكون البرنامج الصاروخي الباليستي كجزءاً من أي اتفاق مستقبلي مع طهران، إضافة إلى ما تسمية واشنطن “بالأنشطة الإيرانية المزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط”، وقد اكد على هذه المساعي والرغبات جملة من المسؤولين في إدارة الرئيس الأميركي من بينهم بايدن نفسه ووزير الخارجية أنتوني بلينكن الذي شدد مؤخراً على أن أي اتفاقية جديدة يمكن أن تتطرق لـ “أنشطة إيران المزعزعة للإستقرار” في المنطقة بالإضافة إلى تطويرها للصواريخ الباليستية، حتى أنّ 12 سجيناً اميركياً سابقين في طهران أرسلوا رسالة إلى وزير الخارجية الأميركي الحالي آنتوني بلينكن طالبوا فيها بعدم تعيين روبرت مالي، خوفاً من تجاهل ملفات أخرى مهمة في العلاقات الأميركية الإيرانية، يدرك روبرت مالي جيداً أن العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني لا تكفي لتهدئة الصراعات الإقليمية، ولهذا السبب فهو يدعم المبادرة الأوروبية لتشجيع حوارات خفض التصعيد بين إيران ودول الخليج المجاورة. وهو كمبعوث أميركي خاص إلى إيران، يمكنه أن يضع ثقل الولايات المتحدة وراء هذه الجهود.
ختاماً
ثمة من يقول أنّ خبرة مالي في السياسة الخارجية في الشرق الأوسط ومهاراته الدبلوماسية الناعمة تجعله الشخص المثالي لإعادة تنشيط الإتفاق النووي الإيراني والمساعدة في تهدئة التوترات الإقليمية. سيكون رد بايدن على الضجة اليمينية المتطرفة ضد مالي بمثابة اختبار لمدى ثباته في مواجهة الصقور، ورسم مسار جديد لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، لكن علينا أن نتذكر دائماً أنّ السياسة الخارجية للولايات المتحدة الاميركية لا تقوم على أفكار وتصورات يقدمها شخص بعينه، وإنما تشترك في وضعها مؤسسات وهيئات مختلفة، فضلاً عن تأثير اللوبي الإسرائيلي وجماعات الضغط المؤيدة “لإسرائيل” التي بدأت تنشط على خط إعاقة الخطط الرامية للتفاوض مع إيران، إضافة الى الأزمات والتعقيدات الهائلة والمتداخلة في منطقة الشرق الأوسط التي تستوجب التأني وعدم التسرع في اطلاق المواقف وترجيح السيناريوهات، فسيرة السياسة الأميركية في المنطقة قامت على رؤية سياسية إستراتيجية مفادها أن الانظمة الديكتاتورية هي النموذج المفضل، بغض النظر عن سلوكياتها الوحشية، فهي تحظى بشرف واحترام الإدارات الأميركية، ما دامت هذه الأنظمة تخدم مصالح الولايات المتحدة. هذه الإدارات ترى بعين مصلحتها، وتتحول سياستها بتحول مصالحها، إضافة إلى انها اتسمت دائما بازدواجية المعايير، وبالانحياز “لإسرائيل” رأس حربتها في قتل الديمقراطية واشاعة الفوضى فيها، والهمينة على مصارد الطاقة، ولو على حساب شعوب المنطقة وقضاياه العادلة.

المصادر:
العربية
1 ـــ تحذيرات نواب جمهوريين من تعيين روبرت مالي ممثلاً للشؤون الإيرانية “بسبب علاقته بنظام الملالي”، متوفر على الموقع التالي: https://iranintl.com/ar
2 ـــ خبير بالشرق الأوسط ونجل صحفي مصري يتولى ملف ايران في إدارة بايدن، متوفر على الموقع التالي: https://www.bbc.com/arabic/middleeast-55870657
3 ـــ خذل العرب ووالده يهودي مصري ووالدته عملت مع الجزائر.. إرث مثير للجدل للمبعوث الأمريكي الجديد لإيران، متوفر على الموقع التالي: https://arabicpost.net/%D8%AA%D8%AD%D9%84%D9%8A%D9%84%D8%A7%D8%AA/2021/02/04/%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%B1%D8%AA-%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A/
4 ـــ عماد عنان، كل ما تريد معرفته عن المبعوث الأمريكي الجديد لإيران، متوفر على النوقع التالي، https://www.noonpost.com/content/39696
5 ـــ موسوعة المعرفة، متوفرة على الموقع التالي:
https://www.marefa.org/%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%B1%D8%AA_%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A
6 ـــ ويكيبيديا، متوفرة على الموقع التالي: https://en.wikipedia.org/wiki/Robert_Malley

English:
1 – Barak Ravid, Blinken wants Iran team with range of views on nuclear deal, available at: https://www.axios.com/biden-iran-negotiations-rob-malley-tony-blinken-3a771cc0-778b-416a-a21a-010e7dfcf5d8.html?fbclid=IwAR1uItQ7Dm3ieRwe9T3Lxu_0t0iDlHvSHXQjsOptJWWp0mZXirYBjbmOOdc
2 – Melissa Weiss, Robert Malley being considered for special envoy on Iran, jewish insider, January 20, 2021, available at: https://jewishinsider.com/2021/01/robert-malley-iran-envoy-biden/.
3 – Robert Malley and Stephen Pomper, Accomplice to Carnage, How America Enables War in Yemen, foreign affairs, March/April 2021, available at: https://www.foreignaffairs.com/articles/united-states/2021-02-09/how-america-enables-war-yemen.
4 – Lara Jakes and Michael Crowley, U.S. Names Iran Envoy in Battle of Wills With Tehran Over Nuclear Negotiations, The New York Times, Jan. 28, 2021, available at: https://www.nytimes.com/2021/01/28/us/politics/biden-iran-envoy.html.
5 – Murtaza Hussain, The Smear Campaign Against Robert Malley — And Biden’s Iran Policy, The Intercept, January 28 2021, available at: https://theintercept.com/2021/01/28/iran-biden-robert-malley-smear-campaign/.
6 – Robert Malley And Colin Kahl, Europe’s Last-Ditch Effort to Save the Iran Deal, The Atlantic, April 24, 2018, available at: https://www.theatlantic.com/international/archive/2018/04/europe-iran-deal/558800/.
7- Robert Malley, Can Europe Step Up? The Atlantic, February 1, 2018, available at: https://www.theatlantic.com/international/archive/2018/02/trump-europe-foreign-policy/552095/
8 – Philip Gordon And Robert Malley, Destroying the Iran Deal While Claiming to Save It, The Atlantic, January, 21, 2018, available at: https://www.theatlantic.com/international/archive/2018/01/trump-iran-deal-jcpoa/551066/.

أترك تعليق

لن يتم مشاركة بريدك الإلكتروني مع اي جهة أخرى - الرجاء مراجعة سياسة الخصوصية للموقع