October 27th, 2021

آخر الأخبار

ترامبيزم

news

محمد حسن سعد

اكثر ما يسمعه موظفو البيت الابيض ويضج اسماعهم هذه الايام مقولة لويس الرابع عشر تترد ولكن على الطريقة الترامبية “أنا أميركا، وأميركا أنا”، وترامب في مكنونات نفسه يردد “أنا العالم، والعالم أنا” بربكم هل هذا رئيس الولايات المتحدة الأميركية؟
مخترع مبدأ “أميركا اولا” لا يلازم فراشه الا قليلا، يغرد باستمرار، لم يعد يرى سوى كرسي البيت الابيض وكأنه كتب باسمه إلى الابد، اليس هذا المعتوه صديق ديكتاتوريات الرمال التي تتغنى بالابل وبولها، كيف ولا وهو ابو ايفانكا التي طاب مقامها عند قبائل العنزة والناقة، والتي قال عنها ترامب يوما “انها لو لم تكن ابنتي لكانت عشيقتي” اي مخلوق هذا الذي انتجته أميركا، الدولة الاولى التي اطاحت بروما كمثال في سرديات الامبراطوريات العظمى.
في العام 2016 تلقت المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون نصيحة هي حقا نصحية بجمل كما يقال قبل المناظرات التي تحصل بين المرشحين للرئاسة الأميركية عن الحزبين الديمقراطي والجمهوري هي أن تترك منافسها دونالد ترامب يتحدث وتتجنب مقاطعته كلما أمكن، لكي يفضح جهله وعيوبه ويشنق نفسه. أظهرت هذه الاستراتيجية نجاحها. ففي كل مرة يتحدث فيها، يكشف ترامب للناس جانبا من شخصيته المتغطرسة، وجهله الفاضح، وعنصريته وغوغائيته، وشعبويته المدمرة.
فالرجل أحمق وعيوب شخصيته التي جعلته خطراً على حزبه، تجعله بالتأكيد خطراً على أميركا والعالم، وهو الذي يعتقد ان الأمة الأميركية لم تنجب مثله، ولن تنجب مثله، كونه يشبه الله الذي يسكن أورشليم.
بعد خسارة المرشح الجمهوري جون ماكين، وفوز باراك أوباما في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2008، اندفعت مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة انذاك إلى القول: “ان العديد من الرؤساء الأميركيين قد يرثون صداعا ولكن باراك أوباما قد ورث غرفة الطوارئ بأكملها”.
اذا كان أوباما قد ورث من بوش الابن غرفة الطوارىء بأكملها، فماذا سيرث بايدن من الثور الهائج ترامب في رئاسة أميركا أرض الاحلام، امبراطورية “الهيمنة الخيرة”.
السيناتور الجمهوري ميت رومني قال لمحطة «الـ سي. ن. ن» الأميركية في اتلانتا: “لا تتوقعوا من ترامب ان يرحل بهدوء”. وقال ان الرئيس ترامب “لن يوافق على النتيجة التي ادت إلى انتخاب جو بايدن بل سيعاند حتى اللحظة الاخيرة”.
أميركا رهينة ترامب، العالم كله رهينة ترامب، نيويورك تايمز تقول انه طلب من بعض جنرالات البننتاغون اخطاره بسيناريوهات لشن ضربات عسكرية لمواقع ايرانية نووية وبنى تحتية فيها، لاقتها يديعوت احرنوت في ذلك، وهذا ما اكدته مصادر مقربة من دوائر القرار العليا الإيرانية، فضلا عن تزايد الحديث في الأوساط الإعلامية والسياسية الأميركية عن سيناريو ترامبي لتفخيخ مهمة بايدن وإدارته في الشرق الأوسط وعودة الاخير إلى الاتفاق النووي الإيراني، وهو السيناريو الذي بدأ يلوح في الأفق، هل يدري احد في هذا العالم ماذا يدور في دماغ هذا المعتوه الاخرق، اذا كان لديه دماغ، والا ما معنى ان يقيل ديكتاتور واشنطن وزير دفاعه، مارك إسبر، في هذا التوقيت، انه انتقام شخصي من الوزير الذي قيل إنه يعترض على مخطط ترامب إشعال المنطقة عبر قصف إيران، تلك الفكرة الحمقاء التي كانت تراود مستشار ترامب السابق للأمن القومي جون بولتون الذي اقيل هو الاخر، صاحب نظرية اذا أردت ان تتخلص من القنبلة أضرب طهران بقنبلة.
لو كان يدري مهندس تصميم البيت الأبيض جيمس هوبان بما اَلت اليه الامور اليوم في أميركا، لاضاف إلى تصميمه حائط مبكى لينتحب عليه الملك ترامب الذي يمني النفس بان ينصب ملكا على أميركا، ولما لا؟ (كانت فكرة مطروحة، أميركا ملكية لا جمهورية في بدايات التأسيس)، ولاستبدل حجارة مركز القرار العالمي التي أحضرت من اسكتلندا بأخرى من أرض الميعاد، أو لربما أعاد جورج واشنطن النظر في بناءه من الاساس.
أدخلت ولاية ترامب الرئاسية، التي امتدت أربع سنوات، الولايات المتحدة في عملية تدمير وإخفاق، شملَت كافة مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية. هزيمة كبرى أمام وباء كورونا، تزايد العنصرية وتمجيدها وكأنها من مبادىء الحزب الجمهوري الذي يسمونه بالحزب القديم العظيم، تراجع دور المؤسسات الموثوقة وضعفها وعجزها، وتفاقم مشكلات البطالة وانتهاك القانون، وبرزت فكرة أميركا المنقسمة على نفسها إلى شطرين، في العديد من مقالات الرأي الرصينة والكتابات العميقة. عهد ترامب عهد الخراب، في جميع مجالات الحياة، وقد ابرز الكاتب التركي المعروف فوات كايمان ذلك العهد في خمس نقاط:
أولًا؛ دخلت أميركا في عهد ترامب مرحلة استقطاب غير مشهودة، تحوّلت إلى عملية هدامة بشكل لا يمكن تصوره. ولم يحدث هذا الاستقطاب في البعد السياسي فقط، بل سرى في المجالات الاجتماعية وحتى “العاطفية” أيضًا. فقد وضعت الثنائيات والمعارضات بصمتها على السنوات الأربع الأخيرة في أميركا التي انقسمت إلى قسمين: “أمريكتين.. واشنطنين.. هويتين”، (قادة لا يصغون إلى بعضهم البعض.. حتى إنهم يكرهون بعضهم البعض.. وسائل إعلام منقسمة في الهوية والعواطف والآراء والمواقف)، وكان ترامب الزعيم الذي غذى الاستقطاب وحرض على الانقسام.
ثانيًا، أضعفت سنوات حكم ترامب الأربع مبادئ “فصل السلطات” و”استقلالية القضاء” “وأهمية المؤسسات واستقلالها”، ومبدأ “الجدارة تسبق الولاء”، بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وهو ما نسميه بـ “نظام الضوابط والتوازنات”. وباتت أميركا تشهد يومًا بعد يوم حالة تردي المبادئ والمفاهيم التي تقول: “إن للنظام أولوية على مصالح الفاعلين ويجب حمايته”، والتي كانت تتفاخر بها دائمًا. وبالوقوف حتى ضد حزبه، أراد ترامب أن يحكم أمريكا بالكامل، انطلاقًا من فكر الزعيم ورأي الزعيم والولاء للقائد.
ثالثًا، إن التناقض في السياسة الخارجية الأمريكية، في ظل رئاسة ترامب وتحركاتها الموجهة تماماً من محور القائد، وكذلك “ضعف قدرة الدولة” الأميركية في المجال الطبي خلال فترة (كوفيد -19)، ألحقا أضرارًا جسيمة بالقيادة العالمية لأميركا، وبتأثيرها العالمي. وقد عانت أميركا في هذه المرحلة انحداراً كبيراً، في محور النفوذ والخطاب والرضا والقوة المغيرة، أو لنقل: في محور القوة الناعمة والصلبة، على صعيد الهيمنة العالمية، وتعززت في منطقة شاسعة تمتد من الصين إلى روسيا.. ومن فرنسا إلى ألمانيا.. ومن إيران إلى تركيا، النظرية القائلة “باقتراب نهاية القيادة الأميركية العالمية في مواجهة القوى العالمية والإقليمية”.
رابعًا، ساهم عهد ترامب في المقياس العالمي في تسريع العملية التي حدثت تحت عناوين “الركود الديمقراطي”، و”الديمقراطية الاستبدادية”، و”الشعبوية الاستبدادية” أو “الاستبداد التنافسي”. وقد أسدى ترامب، من خلال الإشارة إلى عصر القادة الأقوياء، وعهد الزعماء، وسياسة القادة، وما إلى ذلك من رسائل، خدمة كبيرة لتعزيز وانتشار مفهوم السياسة التي انتهجها القادة الذين تميزوا واختلفوا حتى عن الأحزاب التي ينتمون إليها. ولهذا السبب، فإن إعادة انتخاب ترامب لو حصلت كانت ستسرع من وتيرة موت الديمقراطية على مستوى العالم، والفكرة التي مفادها أن عدم انتخاب ترامب سيسهم في تعزيز احتمالات “إعادة الدمقرطة” قد زادت من أهمية هذه الانتخابات على الصعيد العالمي.
خامسًا، كشفت رئاسة ترامب عن ظاهرة وتصور مختلف لـ “البيت الأبيض”، إلى درجة لم يسبق لها مثيل قبل عهد ترامب. إذ ظهر “بيت أبيض” يعمل بشكل منغلق على نفسه.. على خلاف مع مؤسسات الدولة ووسائل الإعلام.. مقتصر على الزعيم وبالولاء له أولًا، وبعلاقته بوسائل التواصل الاجتماعي، بعيد كل البعد عن العمل والتعاون مع مراكز الفكر والمجتمع المدني، في حالة تغيير دائمة حتى لطاقمه القريب. حيث كشفت الكتب والمقالات والبيانات التي أدلى بها موظفون مقربون من ترامب، بعد استقالتهم أو طردهم، أن البيت الأبيض الذي يُعد أحد أهم مؤسسات النظام الأميركي يعيش حالة خراب كبير.
لو كان يعلم الكسيس دي توكفيل مؤلف كتاب الديمقراطية في أميركا ان ترامب سيصبح رئيساً لأميركا، لبدل عنوان ومضمون مؤلفه ليصبح الاستبدادية في أميركا، واعلن “موت الديمقراطية الأميركية” وتداعي بيتها الابيض.
ترامب خسر الانتخابات، لكن الافكار التي يمثلها والمشبعة بالاستبدادية والشعبوية والانقسام ستسكن أميركا طويلا، لقد اضحت سياسة وظاهرة “الترامبيزم“، جزء من الحياة السياسية الأميركية.
وعند هذا المنعطف، تبدأ المعضلة الحقيقية لرئاسة بايدن، الذي قد يفقد الداخل اذا حاول التركيز اكثر على الخارج، وقد يفقد ما تبقى من نفوذ أميركا في الخارج اذا ركز كامل جهوده على الداخل، بايدن تنتظره ولاية رئاسية صعبة ومثقلة، ترامب سيغادر البيت الابيض في 20 كانون الثاني 2021 لكن كابوسه سيبقى يجثم على صدر أميركا ردحاً طويلاً.

أترك تعليق

لن يتم مشاركة بريدك الإلكتروني مع اي جهة أخرى - الرجاء مراجعة سياسة الخصوصية للموقع