October 18th, 2021

آخر الأخبار

المتغيرات الصلبة تفرض مؤتمرا تأسيسيا لبناء الدولة الوطنية

news

يستشعر أهل النظام القديم في لبنان خطرا داهما يستهدف وجودهم المزمن في الحكم، وهذا الخطر يتمثل بالآتي من المتغيرات الجذرية على مستوى البنية التحتية للنظام السائد منذ عقود، أقله منذ إتفاق الطائف مرورا بتسوية الدوحة وصولا إلى العصف السياسي الذي أفرزته الإنتخابات النيابية الأخيرة، والذي كرس حزب الله وحلفاؤه القوة الأكثر حضورا وتمثيلا على مساحة الوطن، وهذا النجاح لم يأت من عبث بل كان ثمرة تضحيات جسام وانتصارات ميدانية، قضت على إحدى أهم محاولات المعسكر الأميركي الصهيوني العربي، في قلب المشهد ليس في لبنان فحسب بل في المنطقة ككل. وبالتالي فإن كل المحاولات اليائسة التي تجري اليوم في الزمن الضائع، ما هي إلا عمليات تهدف إلى تحسين الشروط في أي تسوية مقبلة.
فالمنظومة التي عرفت بالفساد والتبعية لأجندات خارجية تسعى كما أسلفنا إلى افتعال الاضطرابات والأزمات في الشارع اللبناني، بالتوازي مع الضغوطات الإقتصادية والسياسية والإجتماعية الهائلة، لتعديل موازين القوة.
فلقد درجت العادة في لبنان أن الرابح والخاسر يتساويان في الحصة عندما تحين التسوية الأمر الذي يعود ويكرس الطبقة نفسها في المشهد السياسي، لتستمر بلعبة التحاصص والفساد والابتزاز، وهذا ديدنها عند كل استحقاق يتقدم نحو الإصلاح والمحاسبة. لذلك لا عجب اذا رأينا أن النظام القديم سيقاتل بشدة من أجل الحفاظ على امتيازاته ولو أدى به الأمر إلى افتعال حرب داخلية، لا بل ربما التمهيد لعدوان خارجي مباشر أو من خلال استجلاب وصايات دولية كما هو مطروح اليوم، كل ذلك لإجهاض أي محاولة جدية للذهاب نحو نظام جديد، بات حاجة ملحة لجميع اللبنانيين المتضررين من النظام الحالي.
لكن الملاحظ أن ثمة تقاطع في المصالح بين الداخل والخارج حول نقطة ارتكاز واحدة لطالما شكلت عائقا استراتيجيا لتحقيق هذه المصالح، وهي المقاومة،صحيح أنه يؤخذ على المقاومة أن مواقفها لم تكن جذرية في مقاربة الأمور الداخلية كما فعلت عند مقاربتها الدفاع عن لبنان، الا ان هذا كان ولا يزال يعود لتعقيدات المشهد السياسي في لبنان الذي يدفع أحيانا بنسج تحالفات عجيبة غريبة بالقطعة، تفيد من ناحية استراتيجية، وتضر بها من ناحية أخرى، وتحالفات الضرورة عادة ما تكون مؤقتة تخدم الهدف البعيد المدى، إذ أن المنطق في النهاية سيفرض نفسه عندما تحين الساعة الجدُية في الدفع بقوة باتجاه فرض نظام جديد عصري يتماشى مع مصلحة جميع اللبنانيين. وهذا بات يحتاج إلى الصمود في المعركة القائمة ليتحقق.
إن أدوات النظام القديم تعمل مع عرابيهم في الخارج لإفراغ المكتسبات التي حققتها المقاومة سياسيا وشعبيا وارغامها وحلفاؤها على القبول بتسوية تقليدية تعترف بتأبد السلطة الرجعية في الحكم، وبمصالح القوى الاستعمارية في لبنان، ويعتقد هؤلاء أن التسوية لا يمكن أن تتم إلا إذا تساوى أطرافها بالقوة أو بالضعف حتى تستقيم أضلع طاولة النقاش، ولا بأس إن تمكن هؤلاء من إضعاف المقاومة بل والقضاء عليها، حتى يعيدوا انتاج النظام عينه بالأدوات والسلوك ذاته. ولما كان هذا الأمر صعبا للغاية فإن جل ما يتوسله هؤلاء هو الإعتراف بامتيازاتهم وعدم مساءلتهم عن كل ما اقترفوه من موبقات على مدى السنوات الطويلة المنصرمة.
فليست الاستماتة في حماية حاكم مصرف لبنان والسعي لإجهاض التدقيق الجنائي إلا تعبيرا واضحا عن نوايا النظام العفن، وبالتالي يعمل هؤلاء على التصويب على رئيس الجمهورية بهدف بات معروفا وهو إصابة حزب الله كلعبة البلياردو، كما محاولة رمي كل مصائب لبنان على العهد والمقاومة معا، في سلوك رخيص وفاجر لا مثيل له، رغم أخطاء ارتكبها بعض رموز العهد في أدائهم ومواقفهم السياسية، فضلا عن اتهام المقاومة بالتغطية على الفاسدين، وهو إتهام مجحف بحقها لمن يدرك عمق المقاصد لديها في تقطيع المرحلة الصعبة بأقل الخسائر الممكنة، وصولا لكسر الجدار الصلب للمعادلة الطائفية والمذهبية في البلد.
لا شك أن التغيير سيحصل لأن جدلية الحياة قائمة على هذه الحتمية، فكما قال الفيلسوف اليوناني هيروقليطس:” انت لا تغتسل بمياه النهر مرتين فأنت تتبدل ومياه النهر تتبدل.”
وهذا التبدل يأتي في لحظة تاريخية في المنطقة حيث أن صمود محور المقاومة وعلى رأسه الجمهورية الإسلامية في ايران شكل الأساس الذي غير وجه الإقليم بل وجه السياسة الدولية، وجعل المستحيل ممكنا، فليس هين ما حصل ويحصل على الإطلاق أن تتجاوز الأصعب ولو بكلفة كبيرة، معنى ذلك أن ما بقي سيتم تجاوزه، وأن أوان الحصاد حان في لبنان والمنطقة، وهذا منطق الأشياء، ولا يمكن لأي كان التنازل تحت أي ذريعة لم تعد تستقيم والزمن المتغير. ففي تلك اللحظة فإن الصلابة في الموقف والصبر على كل هذه الارهاصات الحاصلة طريقها واحد لا غير، العمل بكل قوة على إعادة تشكيل نظام سياسي جديد على أنقاض النظام الحالي وفق مؤتمر تأسيسي الحد الأدنى لنتائجه، قيام الدولة الوطنية الإجتماعية المقاومة. مع مفعول رجعي لتصفية الحساب مع كل من أساؤوا للبلد.

أترك تعليق

لن يتم مشاركة بريدك الإلكتروني مع اي جهة أخرى - الرجاء مراجعة سياسة الخصوصية للموقع