October 18th, 2021

آخر الأخبار

المؤتمر التأسيسي بات حاجة ملحة للخروج من العود الابدي للأزمات

news

لم يعد بالامكان الذهاب نحو تسويات تقليدية في لبنان، على شاكلة ما مضى، لقد تغير كل شيء في السياسة في الإقتصاد في الديموغرافية في موازين القوى، في تشبيك العلاقات مع الإقليم والعالم وتعقيدات المشهد العام في الجغرافيا السياسية.
لم يكن الحل في لبنان في أي وقت منتج داخلي لقد ظل على الدوام نتاج توافقات إقليمية دولية مفخخة، تسفر عن تسويات مؤقتة إلى حين تنكشف الأزمة من جديد فنذهب إلى الفوضى والحروب، تلك الحروب التي كتب عليها ألا تنتهي في لبنان اجترارا للحرب الأبدية بين القيسية واليمنية.
لم يعد بالمقدور الإستمرار في إنتاج الواقع نفسه وعلى القاعدة نفسها أن يتساوى الغالب والمغلوب بالحصة ذاتها، فيندمل الجرح على تقرح وعود على بدء.
إن المتابع عن كثب للمشهد السياسي في لبنان يدرك أن كل الحراك الحاصل لتشكيل الحكومة هو ذر للرماد في العيون في هذه المرحلة، فمن الصعب جدا على من لا يملكون أنفسهم أن يقرروا كيف يديرون شؤونهم الخاصة فكيف بالشأن العام. وأفضل مثال على ذلك هو الرئيس المكلف سعد الحريري، الحائر والخائف والذي يعيش رهاب الإحتجاز في السعودية ونظرات محمد ابن سلمان المنشارية.
إن الحريري يشكل بالنسبة للسياسة السعودية اليوم لزوم ما لا يلزم بانتظار التحضير لشخصية تخلفه قادرة على إعانتها في لبنان. وحتى يحين ذلك الموعد فإن واقع الأمر سيبقى يراوح مكانه، في ظل مساع حثيثة تقوم بها جهات خارجية لإنتاج تسوية في الحد الأدنى تأخذ صفة المرحلة الإنتقالية، تحضيرا للإنتخابات النيابية والتي بنتيجتها تؤشر إلى من سيشغل موقع الرئاسة في لبنان وبالتالي حسم الاتجهات المستقبلية في التموضع السياسي.
لكن المأزق الحالي كبير جدا في ظل توترات سياسية وتحذيرات أمنية ترافقها وضغوطات معيشية لا تحتمل، ما لا يوحي بأن تسوية ما ربما تدبر في ليل بارد، فقد تعودنا في لبنان على أن التسويات تأتي في موسم لاهب، وهي محض تجربة مرة تتقاطع فيه المصالح المحلية مع أخرى خارجية. فحتى نعرف ماذا يجري في لبنان علينا أن نعرف ما يحري في المنطقة. فالسعودية تبحث عن مخرج لأزمتها المستفحلة في المنطقة، فهي خسرت حتى الآن رهانتها في العراق وسوريا ولبنان وهي في طريقها لتلقي الضربة القاسمة في اليمن، وبالتالي من الطبيعي أن تسعى لتحصيل أثمان سياسية حيث استطاعت، وهي تلهث وراء تسوية تخرجها من وحل اليمن، من دون أن تغفل ولو للحظة عن سياق ما يجري في موضوع الملف النووي الإيراني، إنها بحاحة ماسة جدا لالتفاتة إيرانية جادة للنزول عن شجرة الصبار الذي علقت بها.
وفي موازاة ذلك فان واشنطن وتل ابيب المهتمتين بالساحة اللبنانية لوجود حزب الله فيها من جهة، ولقرب القواعد الروسية منها والأطماع بالثروات البترولية والغازية في مياه لبنان، تترقبان المشهد بحثا عن موقع قوة يتيح لهما الإستمرار في ممارسة أقصى الضغوط على المقاومة لجرها إلى حيث لا تريد والى التنازل عما راكمته من أرباح على مدى السنوات الماضية، يترجم بقبولها بشروط خصومها في تسوية تكبلها سياسيا وشعبيا. ما يسهل أخذ لبنان إلى ما يطالب به البعض من حياد ونزع سلاح المقاومة وإقفال الحدود اللبنانية السورية في وجهها.
لكن موازين القوى تبوح بغير رغبات أو أوهام أعداء لبنان وخصومه، ثمة حقيقة تقول إن قوة المقاومة باتت في مكان صلب، من الصعب زحزحته بأي وسيلة مهما كانت خبيثة، وبالتالي فإن أي تسوية جدية يحب أن تأخذ بعين الإعتبار هذه الحقائق الموضوعية، فعاجلا أم آجلا لا بد من الذهاب الى مؤتمر تحت أي مسمى محلي اقليمي دولي، يكون تأسيسا للبنان الجديد وفق آليات حكم تأخذ بعين الإعتبار المتغيرات الاستراتيجية التي حصلت في لبنان والمنطقة، تتطيح بالنظام القديم وبدستوره وقوانينة السياسية والاقتصادية الذي أوصلنا إلى أن نكون بلدا فاشلا تتناهبه الأزمات والحروب.
القضية لم تعد قضية تشكيل حكومة وإيجاد مخارج مسلوقة تعيدنا في كل مرة إلى مربع الأزمات القاتلة، بل إن القصة كل القصة أننا أمام مخاض عظيم ستقاتل فيه الدولة العميقة بمعية مشغليها في الخارج بشراسة للحفاظ على العود الأبدي كما هو حاصل اليوم لكن ثمة فرصة سانحة للقتال فإما أن نحاول ملكا أو نموت فنعذرا.

أترك تعليق

لن يتم مشاركة بريدك الإلكتروني مع اي جهة أخرى - الرجاء مراجعة سياسة الخصوصية للموقع