September 28th, 2021

آخر الأخبار

العلاقة بين حزب الله وروسيا في الميزان الإستراتيجي

news

زاد الاهتمام الروسي في حزب الله بعد خروجه منتصرا على اسرائيل في حرب تموز من العام ٢٠٠٦ وللمكانة المرموقة التي كسبها في العالم نتيجة أدائه العالي المستوى، في إدارة دفة الحرب، خصوصا الأداء الخارق في استعمال صواريخ الكورنيت الروسية في تدمير فرق المدرعات، في أكثر من محور وأهمها في وادي الحجير، تلك المواجهة التي سميت بمجزرة الدبابات.
ويحكى أن وفدا عسكريا روسيا رفيع المستوى زار في العام نفسه جنوب لبنان، والتقى قيادات عسكرية في المقاومة عاين الموقع الذي ابيدت فيه دبابات الميركافا من الجيل الرابع، وقد أثنى الوفد على الحرفية العالية لدى المقاومين في استخدام السلاح الروسي الفتاك، وعاد الوفد بانطباع أنه أمام حزب كبير قادر على التأثير في موازين القوى ليس على مستوى لبنان فحسب، بل على مستوى الصراع المفتوح في المنطقة بين القوى ذات التأثير الكبير فيها.
ولم تمض إلا سنوات قليلة حتى اندلعت الحرب في سوريا وشارك حزب الله فيها انطلاقا من دفاعه الوقائي عن لبنان ومحور المقاومة، فساهمت قواته في الحؤول دون سقوط العاصمة دمشق، بل وتثبيت خطوط المواجهة، تحضيرا للمناورة الكبرى التي ستتوج بأهم عمل عسكري كبير سيتوج في ما بعد بمعركة القصير، تلك المعركة التي نقلت حزب الله الى مصاف الجيوش التي تملك مفتاح الحسم في المقبل من السنوات في الميدان السوري وغيره من الميادين “، حيث يجب أن نكون” كما صرح الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في أكثر من مناسبة.
إن الأداء المميز لوحدات المقاومة في معركة القصير وغيرها من المعارك السورية، لفتت اهتمام العدو قبل الصديق، وهي دفعت الروس إلى مزيد من الإحترام والتقدير لهذا النوع من الأداء، وبات لدى القيادة الروسية اقتناع بأهمية التعاون والتنسيق والشراكة مع حزب الله في الحرب على الإرهاب، وأن ثمة فائدة قصوى سيترتب عليها، التدخل الروسي في الحرب السورية بعد مرور حوالي ثلاثة أعوام من الصمود الاسطوري للجيش السوري وحلفائه وعلى رأسهم حزب الله والمستشارين العسكريين الإيرانيين. لقد وجدت القيادة التقديرية في روسيا أن تدخلها لن يكون إلا انطلاقا من مصالحها الإستراتيجية في التعاون مع القوى الفاعلة في الميدان السوري في مواجهة الهجمة الشرسة لاميركا واتباعها (اكثر من ثمانين دولة)، في المنطقة والحؤول دون تعديل موازين القوى فيها لصالحها، هذا الأمر الذي ستؤكده سنوات الحرب في سوريا.
ويقول الكاتب الروسي الكسندر كورباي وهو محلل رئيسي في مجموعة SecDev، حول النزاع السوري وتأثيره في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
“لقد شكّل حزب الله شريكاً غير دولتي نافعاً للقوات الروسية في سورية، ويقول في هذا الصدد:” لقد أخذت موسكو علماً بنجاح حزب الله على الأرض في سورية، وترى فيه حليفاً مقتدراً ساهم بقوة في بقاء النظام السوري.”
هذا في الجانب العملياتي أما في الجانب السياسي، فقد أعطى التنسيق الميداني بين الجانبين مفاعيله على المستوى السياسي باكرا، من خلال التواصل الدبلوماسي والسياسي الذي تجلى بحرارة العلاقات مع السفير الروسي السابق في لبنان ألكسندر زاسبيكين، الذي لعب دورا مهما في تعزيز العلاقات بين الجانبين، توج في وقتها بزيارة قام بها نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف الى لبنان حيث التقى بالأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، وقيادات في حزب الله، ولطالما أكد الموفد الشخصي للرئيس بوتين في تصريحات عدة “أن حزب الله عنصر مهم في المجتمع اللبناني ويجب احترام آرائه.”
إن التنسيق والتعاون والشراكة بين حزب الله وروسيا بوتين يستند أساسا الى المصلحة المشتركة في محاربة الإرهاب والتصدي للهيمنة الأمريكية، مع تفهم كل منهما لخصوصية الطرف الآخر في مقاربة الصراع مع الكيان الصهيوني، أما ما عدا ذلك فإن كل ما يكتب ويحلل ويقال بين الفينة وأخرى عن تباين في المواقف بين الطرفين في الميدان السوري، ما هو إلا مجرد تمنيات واهمة لدى فئة مهزومة ترى الأشياء من خلال ضعفها وعجزها وعدم هضمها لمستوى العلاقة المتينة بين شريكين، لا بين تابع ومتبوع كما هو حال تلك الفئة.
وتأتي الزيارة الأخيرة لوفد حزب الله إلى روسيا والحفاوة المميزة التي استقبل بها من قبل وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ، لتؤكد على هذا المنحى الإيجابي في استمرار العلاقة واهمية حزب الله بالنسبة للقيادة الروسية كلاعب أساسي وازن في لبنان والمنطقة، وهو ما أكد عليه رئيس الوفد، رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد وهو الشخصية القيادية السياسية الفذة في حزب الله، عندما قال:”العلاقة بين “حزب الله” وروسيا بدأت منذ سنوات، وتحكمها نقاط إهتمام مشترك ومصالح مشتركة ونظرة واحدة أو متقاربة جداً نحو الأوضاع في المنطقة وضرورة استقرار هذه المنطقة، من أجل أن تستثمر شعوبها خيرات الدول، التي تقيم فيها أو تنتمي إليها، وأن “الدعوة التي تلقيناها تهدف إلى إعادة فتح النقاش حول آفاق المرحلة المقبلة بعد ما تحقق من إنجازات لمصلحة شعوب المنطقة في المرحلة الماضية”. 
تدرك القيادة الروسية أن لولا صمود محور المقاومة بقيادة الجمهورية الإسلامية في إيران أمام الهجمة الأميركية، لما كانت لتستعيد دورها في المنطقة والعالم، وهي تعرف أن الشراكة بدأت تؤتي أكلها من خلال تشبيك المصالح وتنسيق الجهود بين القوى الرئيسية في الجزء الآسيوي، فبات التشكيل السيادي العالمي واضحا من خلال الشراكة التي تضم إلى جانب روسيا الصين وإيران وحزب الله فضلا عن دول وقوى، تسعى لتكون في هذا التشكيل الذي بات يقض مضجع السياسة الأميركية وهيمنتها في المنطقة والعالم، وليس أول الغيث الإتفاقية الإستراتيجية التي وقعتها كل من الصين وايران مؤخرا، فكل التقديرات تشير إلى أن إمكانية توسيع اتفاقات التعاون بين تلك الدول باتت حظوظها واقعية بشكل جدي.
لا شك أن العالم تغير بين الأمس واليوم، كل ذلك يحصل بفعل دروس الصمود والتحدي الذي ارسته إيران ومحور المقاومة في قلب المعادلات الدولية لصالح الشعوب المستضعفة، وهي التي أدت بدول كروسيا والصين، أن يعيدا حساباتهما الجيوسياسية ويسارعان في استثمار هذه النجاحات، من أجل تحقيق المصالح المشتركة في تثبيت قوة ومكانة الجغرافيا السياسية لخط الحزام والطريق وصولا الى هلال المقاومة. وسوف تعاني الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من ثقل هذا المتغير الاستراتيجي، ولن تجد نفسها إلا مكبلة أمام تحديات انتاج عالم مواز يضع حدا لهيمنتها.

أترك تعليق

لن يتم مشاركة بريدك الإلكتروني مع اي جهة أخرى - الرجاء مراجعة سياسة الخصوصية للموقع