December 7th, 2022

آخر الأخبار

news

العقد الخطير- سياسة خارجية لعالم مأزوم

Foreign Affairs
The Dangerous Decade A Foreign Policy for a World in Crisis
بقلم ريتشارد هاس
نقله إلى العربية الدكتور محمد حسن سعد

“هناك عقود لا يحدث فيها شيء، وهناك أسابيع تحدث فيها عقود”. تُنسب هذه الكلمات وان شكك البعض في ذلك إلى الثوري البلشفي (وقارئ صحيفة “فورين أفيرز”) فلاديمير لينين، في إشارة إلى الانهيار السريع لروسيا القيصرية منذ ما يزيد قليلاً عن 100 عام. إذا كان قد قال هذه الكلمات بالفعل، فربما أضاف لينين أن هناك أيضاً عقوداً تحدث فيها قرون.
إن العالم في خضم عقد واحد من هذا القبيل. كما هو الحال مع المفاصل التاريخية الأخرى، ينبع الخطر اليوم من التدهور الحاد في النظام العالمي. ولكن أكثر من أي لحظة أخرى، فإن هذا التراجع يهدد بأن يصبح شديد الانحدار بشكل خاص، بسبب التقاء التهديدات القديمة والجديدة التي بدأت تتقاطع في وقت تبدو فيها الولايات المتحدة في وضع غير مناسب لمواجهتها.
من ناحية أخرى، يشهد العالم إحياء بعض أسوأ جوانب الجغرافيا السياسية التقليدية: منافسة القوى العظمى، والطموحات الإمبريالية، والصراعات على الموارد. اليوم، يحكم روسيا طاغية، الرئيس فلاديمير بوتين، الذي يتوق إلى إعادة إنشاء مجال نفوذ روسي وربما حتى إمبراطورية روسية. بوتين مستعد لفعل أي شيء تقريباً لتحقيق هذا الهدف، وهو قادر على التصرف كما يحلو له لأن القيود الداخلية المفروضة على نظامه قد اختفت في الغالب. في هذه الأثناء، في عهد الرئيس شي جين بينغ، شرعت الصين في السعي لتحقيق السيادة الإقليمية والعالمية المحتملة، واضعة نفسها على مسار يؤدي إلى زيادة المنافسة أو حتى المواجهة مع الولايات المتحدة.
لكن الأمر لا يقتصر على هذا. تتصادم هذه المخاطر الجيوسياسية مع تحديات جديدة معقدة مركزية في العصر الحالي، مثل تغير المناخ والأوبئة والانتشار النووي. وليس من المستغرب أن تؤدي تداعيات الخصومات الدبلوماسية المتزايدة إلى استحالة تعاون القوى العظمى من أجل مواجهة التحديات الإقليمية والدولية، حتى عندما يكون ذلك في مصلحتها.
ومما يزيد الصورة تعقيداً حقيقة أن الديمقراطية والتماسك السياسي الأميركيين في خطر إلى درجة لم نشهدها منذ منتصف القرن التاسع عشر. هذا مهم لأن الولايات المتحدة ليست مجرد دولة واحدة من بين دول عديدة: لقد دعمت القيادة الأميركية النظام الذي كان موجوداً في العالم على مدار الـ 75 عاماً الماضية ولا تزال تلعب هذا الدور المركزي الى اليوم. ومع ذلك ، فإن الولايات المتحدة الممزقة داخلياً ستصبح أقل استعداداً وقدرة على القيادة على المسرح الدولي.
أدت هذه الظروف إلى إطلاق حلقة مفرغة: المنافسة الجيوسياسية المتزايدة تجعل الأمر أكثر صعوبة لإنتاج التعاون الذي تتطلبه المشاكل العالمية الجديدة، كما أن البيئة الدولية المتدهورة تزيد من حدة التوترات الجيوسياسية – كل ذلك في وقت تضعف فيه الولايات المتحدة ويتشتت انتباهها. تضافرت الفجوة المخيفة بين التحديات العالمية وردود الفعل في أنحاء العالم، وتزايد احتمالات نشوب حروب القوى الكبرى في أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، واحتمال تسبب إيران في عدم الاستقرار في الشرق الأوسط معاً لإنتاج أخطر لحظة منذ الحرب العالمية الثانية. سمّوا هذا الظرف، إن اردتم، العاصفة المثالية، أو بشكل أكثر دقة، عاصفة غير مثالية.
التحذير من الخطر لا يعني التنبؤ بالمستقبل. من الناحية المثالية، ستنتهي الأمور نحو الأفضل. لكن الأشياء الجيدة نادراً ما تحدث من تلقاء نفسها، على العكس من ذلك، بل إن الأنظمة، إذا تُركت على هواها، انتقلت من حال سيئة إلى حال أسوأ. إذن، مهمة صانعي السياسة في الولايات المتحدة هي إعادة اكتشاف مبادئ وممارسات فن الحكم: حشد القوة الوطنية والعمل الجماعي ضد النزعة نحو الفوضى. يجب أن يكون الهدف هو إدارة تصادم الجغرافيا السياسية القديمة والتحديات الجديدة، والعمل بانضباط في ما هو مطلوب، وبناء الترتيبات، أو الأفضل من ذلك، المؤسسات حيث يوجد إجماع كافٍ. للقيام بكل ذلك، سيتعين على واشنطن إعطاء الأولوية لإقامة النظام على تعزيز الديمقراطية في الخارج – في نفس الوقت الذي تعمل فيه على تعزيز الديمقراطية في الداخل.
ازدياد الفوضى والاضطرابات
في آب/أغسطس 1990، عازماً على إحتلال الأراضي، غزا العراق جارته الأصغر الكويت. فعلق الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش: “هذا لن يستمر” وكان محقاً. في غضون أسابيع، حشدت واشنطن دعماً دولياً واسع النطاق للتدخل العسكري حول الهدف المحدود المتمثل في إخراج القوات العراقية من الكويت. اتسمت حرب الخليج 1990-1991 بتعاون مكثف، بما في ذلك التعاون من الصين وروسيا، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية تحت رعاية الأمم المتحدة. في غضون أشهر، لاقت الاستجابة المنسقة نجاحاً كبيراً، وانهزم العدوان العراقي وأعيد استقلال الكويت بأقل تكلفة. آنذاك أيدت القوى الكبرى القاعدة القائلة بأنه لا يمكن استخدام القوة لتغيير الحدود، وهذا عامل أساسي في النظام الدولي.
لا شيء من هذا القبيل يمكن أن يحدث في عالم اليوم، كما أوضحت الأزمة الأوكرانية بجلاء، وحقيقة أن روسيا دولة أكثر قوة وتأثيراً بكثير مما كان عليه العراق في عام 1990 تفسر هذا الاختلاف جزئياً فقط. على الرغم من أن الغزو الروسي قد ألهم شعوراً بالتضامن ومستويات رائعة من التنسيق بين الدول الغربية، إلا أن الحرب في أوكرانيا لم تسفر عن شيء يشبه ما ولدته حرب الخليج من اتفاق، شبه عالمي، على أهداف النظام الذي تقوده الولايات المتحدة تحت جناح مؤسساته. وبدلاً من ذلك، انضمت بكين إلى موسكو، ورفضت الكثير من دول العالم التوقيع على العقوبات التي فرضتها واشنطن وشركاؤها على روسيا. ومع انتهاك أحد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي بشكل صارخ للقانون الدولي ومبدأ عدم تغيير الحدود بالقوة، تظل الأمم المتحدة مهمشة في الغالب.
بمعنى ما، فإن الحربين تعتبران بمثابة نهايات لما بعد الحرب الباردة السلام الأميركي ((Pax Americana باكس أميريكانا. كان من المحتم أن تتضاءل هيمنة القوة الأميركية، ليس بسبب الافول الأميركي ولكن بسبب ما أطلق عليه المعلق فريد زكريا “صعود البقية” – أي التطور الإقتصادي والعسكري للدول والكيانات الأخرى، وظهور عالم مولود من انتشار القوة. ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة، بما فعلته وما لم تفعله في العالم وفي الداخل، أهدرت الكثير من ميراثها بعد الحرب الباردة، وفشلت في ترجمة تفوقها إلى نظام دائم.
يمكن ملاحظة هذا الفشل بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بروسيا. في السنوات التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي مباشرة، بدا من غير المرجح -بعد 3 عقود- في ظل التعارض بين القوة الأميركية “الهائلة” وضعف روسيا “المذهل” أن يهيمن العداء بين الكرملين والعواصم الغربية على القضايا الدولية مرة اخرى. تحتدم النقاشات حول كيفية حدوث ذلك، مع وجود خلافات عميقة حول مقدار اللوم الذي تستحقه الولايات المتحدة ومقدار اللوم الذي يجب أن يُنسب إلى بوتين أو إلى الثقافة السياسية الروسية على نطاق أوسع. ولكن مهما كان السبب، من الصعب إنكار أن ست إدارات رئاسية أمريكية لديها القليل لتظهره في كل جهودها لبناء علاقة ناجحة مع روسيا بعد الحرب الباردة. اليوم، في عهد بوتين، يتعارض السلوك الروسي بشكل أساسي مع المبادئ الأساسية للنظام الدولي. لا يبدي بوتين أي اهتمام بدمج روسيا في النظام السائد، بل يسعى إلى تجاهله عندما يستطيع – وعندما لا يستطيع تقويضه أو إلحاق الهزيمة به. لقد أظهر بشكل متكرر استعداده لاستخدام القوة العسكرية الوحشية ضد السكان المدنيين في أوروبا والشرق الأوسط. لا يحترم نظام بوتين حدود وسيادة الدول الأخرى، كما هو واضح من غزوه المستمر لأوكرانيا ومحاولة ضم أجزاء من البلاد.
لقد قلب العدوان الروسي العديد من الافتراضات التي أثرت على التفكير في العلاقات الدولية في حقبة ما بعد الحرب الباردة رأساً على عقب. لقد أنهت إجازة التاريخ التي كانت فيها الحروب بين الدول نادرة. لقد أفرغ العدوان القاعدة التي تقوم على عدم جواز حيازة الدول للأراضي بالقوة من مضمونها. وقد ثبت أن الترابط الإقتصادي ليس حصناً ضد التهديدات التي يتعرض لها النظام العالمي. يعتقد الكثيرون أن اعتماد روسيا على أسواق أوروبا الغربية لتصديرها من الطاقة من شأنه أن يشجع على ضبط النفس. والحال أن هذه العلاقات أخفقت في لجم السياسة الروسية على قدر إخفاقها في منع اندلاع الحرب العالمية الأولى. وثبت، وهو الأسوأ، أن تبادل البلدان اعتماد بعضها على بعض يقيد البلدان التي أفرطت في الاعتماد على روسيا (أولها ألمانيا) فوق ما يقيد روسيا نفسها.
وبعد كل ما قيل، ستخرج روسيا ضعيفة مما يرجح أن يكون حرباً طويلة مع أوكرانيا. وخلافاً للاتحاد السوفياتي، فإن روسيا أضعف من أن تكون قوة عظمى. وحتى قبل أن تفرض الدول الغربية عقوبات على روسيا، رداً على هجومها على أوكرانيا، لم يكن الإقتصاد الروسي من بين أكبر عشرة اقتصادات في العالم، في ميزان الناتج المحلي الإجمالي. ويتوقع أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي، جراء العقوبات، جزئياً، نحو 10 في المئة في عام 2022. ولا يزال الإقتصاد الروسي يعتمد اعتماداً كبيراً على إنتاج الطاقة. وكشفت القوات الروسية المسلحة عن سوء قيادتها وتنظيمها، وتخلفها عن مضاهاة قوات حلف الناتو. وهذا التفاوت بين الضعف الروسي، وبين قدرة بوتين على التصرف بتهور بالقوة العسكرية والنووية وعلى هواه، هو ما يجعل روسيا على جانب كبير من الخطورة.
تمثل روسيا مشكلة حادة على المدى القريب للولايات المتحدة. في المقابل، تشكل الصين تحدياً أكثر خطورة على المدى المتوسط والطويل. إن الرهان على أن دمج الصين في الإقتصاد العالمي سيجعلها أكثر انفتاحاً على الصعيد السياسي، وأكثر توجهاً نحو السوق ، وأكثر اعتدالاً في سياستها الخارجية، لم يؤت ثماره بل أدى إلى نتائج عكسية. الصين اليوم أكثر قمعية في الداخل، واناطت بفرد واحد سلطة أوسع من أي وقت مضى منذ عهد ماو تسي تونغ. الشركات المملوكة للدولة، وعوضاً عن دمج الشركات التي تملكها الدولة معاً، بقيت هذه الشركات على حالها، بينما تقيد الحكومة الشركات الخاصة. وإلى هذا، سرقت الصين بانتظام ملكية الآخرين الفكرية. وتعاظم جبروتها العسكري التقليدي والنووي بشكل ملحوظ، ونشرت قواتها في بحر الصين الجنوبي، وفرضت قيوداً اقتصادية على جيرانها، وخاضت صداماً حدودياً مع الهند، وسحقت الديمقراطية في هونغ كونغ، ولا تزال تزيد الضغط على تايوان.
ومع ذلك، تعاني الصين أيضاً من نقاط ضعف داخلية كبيرة. بعد عقود من الازدهار، بدأ اقتصاد البلاد الآن في التعثر، مما أدى إلى إضعاف المصدر الرئيسي لشرعية النظام. من غير الواضح كيف يمكن للحزب الشيوعي الصيني استعادة النمو الإقتصادي القوي، بالنظر إلى القيود السياسية في البلاد، والتي تعيق الابتكار، والحقائق الديموغرافية، بما في ذلك تقلص العمالة المؤهلة. في غضون ذلك، أدت السياسة الخارجية العدوانية للصين إلى تنفير العديد من جيرانها. ومن شبه المؤكد أن على الصين أن تواجه تحولاً صعباً في القيادة، خلال العقد المقبل. وعلى غرار بوتين، عزز شي نفوذه على نحو من شأنه أن يعقد أي خلافة لاحقة، وربما تسبب في صراع على السلطة. والحق أن من الصعب التنبؤ بالنتيجة: فقد يؤدي الصراع الداخلي إلى تقلص الحراك الدولي، أو إلى ظهور قادة أكثر ميلاً إلى التسوية، ولكنه قد يؤدي إلى سياسات خارجية أكثر قومية ومصممة لحشد دعم الشعب أو صرف انتباهه.
الأمر المؤكد هو أن شي وقادة صينيين آخرين يبدو أنهم يفترضون أن الصين لن تدفع سوى القليل من التكلفة، إن وجدت، مقابل سلوكها العدواني، بالنظر إلى أن الآخرين يعتمدون بشكل كبير على صادراتها أو على الوصول إلى أسواقها. وإلى اليوم، صدق هذا الافتراض. وعلى رغم ذلك، لا يبدو نشوب نزاع بين الولايات المتحدة والصين احتمالاً بعيداً. وفي الأثناء، ومع تزايد توتر العلاقات الأميركية بموسكو وبكين، تتقارب روسيا والصين على نحو مطرد. فهما تتشاركان العداء تجاه النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، وتريان أنه يرضى عن نظمهما السياسية في الداخل، ولا يرضخ لطموحاتهما في الخارج. وهما على استعداد لانتهاج سياسة منسقة تمليها اعتراضاتهما. وخلافاً لـ 40 أو 50 عاماً مضت، تجد الولايات المتحدة نفسها مستبعدة ومهمشة عندما يتعلق الأمر بالدبلوماسية الثلاثية.
احذر وانتبه للهوة
مع ظلمة الصورة الجيوسياسية بين القوى العظمى، اتسعت الهوة بين التحديات العالمية والآلية المخصصة لمواجهتها. ففي مجال الصحة العالمية على سبيل المثال، كشفت جائحة كورونا عن حدود قدرة منظمة الصحة العالمية، وضعف استعداد الدول الغنية والمتقدمة، أو عجزها عن الاستجابة لأزمة كان من المتوقع حدوثها. ونتيجة لذلك، مات إلى اليوم ما يقرب من 15 إلى 18 مليون شخص في أنحاء العالم، ولقي ملايين منهم مصرعهم من غير ضرورة. وبعد حوالى ثلاث سنوات من بدء الوباء، عنى رفض الصين التعاون مع تحقيق مستقل أن العالم ما زال يجهل كيف نشأ الفيروس وانتشر في البداية. ويضعف هذا الحؤول دون تفشي الوباء التالي، وهذا يقدم لنا مثال رئيسياً على كيفية تضافر الاختلالات الجيوسياسية القديمة والمألوفة مع المشكلات الجديدة.
من بين التحديات العالمية الأخرى، يمكن القول إن تغير المناخ قد حظي بأكبر قدر من الاهتمام الدولي، وهذا عمل محق، ومع ذلك لا يوجد الكثير لإظهاره. وما لم يحرز العالم تقدماً سريعاً في الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري خلال هذا العقد، فسيكون من الصعب جداً الحفاظ على الحياة وحمايتها كما نعرفها على هذا الكوكب. لكن الجهود الدبلوماسية باءت بالفشل ولم تظهر أي بوادر على التحسن. وذلك لأن كل دولة تحدد بمفردها أهدافها المناخية الخاصة، ولا تطاولها أي محاسبة في حال تقصيرها عن بلوغ هذه الأهداف، أو في حال نكوصها عنها. وتحقيق النمو الإقتصادي، غداة الوباء، وتأمين إمدادات الطاقة، هما مصدر قلق تفاقم جراء الحرب في أوكرانيا، والاضطرابات التي خلفتها في قطاع الطاقة. وحملت هذه الأحوال الدول على تقديم أمن الطاقة على الاعتبارات المناخية. ومرة أخرى، اصطدم القلق الجيوسياسي التقليدي بمشكلة جديدة، وعسّر الصدام التصدي لمعالجة كلاهما.
وواقع مسألة الانتشار النووي أكثر تعقيداً مما يبدو. وسبق أن تنبأ بعض العلماء بتطوير عشرات الدول أسلحة نووية، في يومنا هذا. والحق أن تسع دول فقط طورت برامج كاملة، بل إنّ عدداّ كبيراً من الدول الصناعية المتقدمة، والتي في وسعها تطوير أسلحة نووية، اختارت الإقلاع عن ذلك. ولم يستخدم أحد سلاحاً نووياً منذ أن بادرت الولايات المتحدة إلى استخدامه في الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية. ولم يَسَعْ جماعة إرهابية واحدة الوصول إلى سلاح نووي.
لكن المظاهر قد تكون خادعة: في غياب الانتشار، اكتسبت الأسلحة النووية قيمة جديدة. بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، تخلت أوكرانيا عن الأسلحة النووية السوفيتية التي بقيت على أراضيها. منذ ذلك الحين، ومذ ذاك، تعرضت للغزو الروسي مرتين. وهذه نتيجة قد تقنع الآخرين بأن التخلي عن الأسلحة النووية يضعف أمن الدولة. وكذلك أُطيح بنظامي العراق وليبيا بعد تخليهما عن برامج تسلحهما النووي. وقد يحمل هذا القادة الآخرين على التردُّد في الحذو حذو العراق وليبيا، أو يشجعهم على التفكير في مزايا تطوير نووية أو امتلاكها. وتظل كوريا الشمالية آمنة، رغم مضيها على توسيع ترسانتها النووية ووسائل حملها. ويبدو أن روسيا، من جهتها، تمنح الأسلحة النووية دوراً أكبر في نهجها الدفاعي. وقرار الولايات المتحدة استبعاد التدخل العسكري المباشر في أوكرانيا، خوفاً من أن يؤدي إرسال قواتها أو فرض منطقة حظر طيران، إلى نشوب حرب عالمية ثالثة نووية، قد تفسره الصين، وغيرها، دليلاً على أن امتلاك ترسانة نووية كبيرة يردع واشنطن، أو على الأقل يحضها على التزام قدر أكبر من ضبط النفس.
وليس من المستغرب، بهذه الحال، أن تحدد إيران معايير أساسية لبرنامج الأسلحة النووية، وسط مفاوضات تهدف إلى إحياء الاتفاق النووي لعام 2015، وكانت الولايات المتحدة انسحبت منه في عام 2018. وقد تكون المحادثات بلغت طريقاً مسدوداً، ولكن المشكلة، في حال نجاح المفاوضات، لن تزول. فالاتفاقية تنص على عدد من البنود الموقوتة (ذات آجال محددة). وعليه فالسؤال يدور على متى تحرز إيران التقدم الكافي الذي يجر إلى شن هجوم يمنع طهران النووية من بلوغ مرحلة النضج (ولا يدور السؤال على إذا). وقد يقرر واحد أو أكثر من جيران إيران أنه يحتاج إلى امتلاك أسلحة نووية خاصة لمواجهتها، ما دامت هي قادرة على امتلاك أسلحة نووية من غير تهديد يذكر. وقد يكون الشرق الأوسط، وهو كان المنطقة الأقل استقراراً في العالم على مدى ثلاثة عقود، على أعتاب حقبة أكثر خطورة.
مشاكل في الديار
بينما تتصادم المشاكل الجديدة والقديمة وتتحد لتحدي النظام الذي تقوده الولايات المتحدة، ربما تحدث التغييرات الأكثر إثارة للقلق داخل الولايات المتحدة نفسها. فالبلاد لا تزال تحتفظ بعوامل قوة كثيرة، لكن بعض مزاياها، على غرار سيادة القانون والانتقال المنظم للسلطة، والقدرة على جذب المهاجرين الموهوبين على نطاق واسع والحفاظ عليهم، والحراك الاجتماعي والإقتصادي، أصبحت أقل تماسكاً مما كانت عليه، في حين تصدرت مشكلات مثل عنف السلاح، والجريمة في المناطق الحضرية، وتعاطي المخدرات، والهجرة غير الشرعية، المشهد، وصارت أكثر إلحاحاً وبروزاً. وإلى ذلك، تعاني البلاد الأميركية انقسامات سياسية. والرفض الواسع النطاق في أوساط الجمهوريين لنتائج الانتخابات الرئاسية عام 2020، وهو أدى إلى الهجوم على مبنى الكابيتول في 6 كانون الثاني/يناير 2021، قرينة على احتمال ظهور نسخة أميركية من “مشكلات” أيرلندا الشمالية. وقد ينقلب العنف المحلي، المستوحى من السياسة، أمراً شائعاً. وعززت قرارات المحكمة العليا الأخيرة، وردود الفعل المحلية المتباينة عليها، الانطباع بأن الولايات المتحدة الأميركية غير متحدة على الإطلاق. لذا، تردت جاذبية النموذج السياسي الأميركي، وأسهم تراجع الديمقراطية الأميركية في تراجع الديمقراطية في أماكن أخرى. وزاد الطين بلة أن سوء الإدارة الإقتصادية الأميركية أدى إلى الأزمة المالية العالمية عام 2008، كما سمحت العثرات الأحدث عهداً بارتفاع نسبة التضخم، الأمر الذي أضر بسمعة البلاد. وربما كان الأمر الأكثر إثارة للقلق هو زوال الإيمان بثبات واشنطن وصدقها. ومن غير إجماع الأميركيين على دور بلدهم اللائق في العالم، أصابت السياسة الخارجية الأميركية تقلبات شديدة، من التجاوزات الكارثية التي ارتكبتها إدارة جورج دبليو بوش في العراق، إلى قصور إنجازات إدارة أوباما المضطربة في الشرق الأوسط وأماكن أخرى، إلى ضعف كفاءة إدارة ترمب ومعاملاتها التبادلية (مبدأ المعاملة بالمثل). فشكك كثيرون في أهمية التزامات واشنطن السابقة أو الدائمة بعد اليوم. وبذلت إدارة بايدن جهوداً كبيرة من أجل إرساء أولوية التحالفات والشراكات، إلا أنها عززت كذلك، في بعض الأحيان، الشكوك في صمود الولايات المتحدة وكفاءتها، خصوصاً في ضوء انسحاب القوات الأميركية الفوضوي من أفغانستان العام الماضي.
ولا شك في أن استحالة التنبؤ بمن يشغل المكتب البيضاوي، في المستقبل، ليست بالأمر الجديد، لكن الجديد هو أنه من المستحيل افتراض أمور كثيرة في النهج الذي ينتهجه هذا الشخص في شأن علاقة الولايات المتحدة بالعالم. والنتيجة هي أن خيارات حلفاء الولايات المتحدة وشركاؤها تتضاءل، وتنحصر في الموازنة بين الاعتماد المستمر على واشنطن وبين بدائل أخرى، مثل زيادة الاكتفاء الذاتي أو احترام الجيران الأقوياء. وثمة خطر آخر هو أن قدرة واشنطن على ردع خصومها سوف تضعف عندما يرى خصومها الولايات المتحدة منقسمة على نفسها انقساماً حاداً، أو مترددة المبادرة.
فكرة واحدة كبيرة
وفي مواجهة الاضطرابات الجيوسياسية والتحديات العالمية التي لا شك في طبعها هذا العقد بطابعها، لن تتمكن عقيدة واحدة شاملة أو مركبة، في السياسة الخارجية الأميركية، من أداء الدور الذي لعبته (عقيدة) الاحتواء خلال الحرب الباردة، حين كان مفهوم الاحتواء واضحاً جداً، وحظي بإجماع واسع. وهذه العقائد المركبة والجامعة مفيدة في إرشاد صانعي السياسات، وشرحها على نطاق شعبي، وفي طمأنة الحلفاء، وتحذير الخصوم. إلا أن العالم المعاصر لا يفسح المجال لإطار بسيط مثل هذا: فثمة، اليوم، تحديات كثيرة من أصناف مختلفة لا يؤطرها مركب واحد، (أو بنية) واحدة. وتعليل هذا الأمر أنه لم يعد ممكناً تناول النظام العالمي كظاهرة واحدة: فهناك نظام جيوسياسي تقليدي هو صورة عن موازين القوى، وعن درجة التشارك في المعايير، وهناك ما يمكن أن يسمى نظام العولمة وهو مرآة اتساع الجهود المشتركة وعمقها في مواجهة تحديات مثل تغير المناخ والأوبئة. والنظام العالمي (أو غياب هذا النظام) هو محصلة الاثنين معاً.
وهذا لا يعني أن على الولايات المتحدة أن ترتجل، وتتعامل مع كل قضية في السياسة الخارجية بمعزل عن غيرها. ولكن بدلاً من فكرة واحدة كبيرة، على واشنطن أن تستخدم عدداً من المبادئ والممارسات في توجيه سياستها الخارجية، وتقليل الخطر من أن ينتهي العقد القادم إلى كارثة. ويترجم هذا التحول إلى سياسة خارجية تستند، إلى حد كبير، إلى أحلاف ترمي إلى ردع العدوان الروسي والصيني، وإلى شراكات انتقائية بين ذوي التفكير المماثل من أجل مواجهة التحديات العالمية التي لا تستطيع الولايات المتحدة تجاهلها، أو التعامل معها بمفردها. وإلى ذلك، يجب أن يكون محور اهتمام الولايات المتحدة هو الترويج للديمقراطية في الداخل وليس في الخارج. فهذا الاهتمام يحوز مكاسب إضافية، فيما قد تكون الخسائر كبيرة إذا فشلت هذه الجهود.
ينبع أكبر تهديد فوري للنظام العالمي من العدوان الروسي على أوكرانيا. تتطلب إدارة الحرب بشكل صحيح توازناً دقيقاً يمزج بين التصميم والواقعية. يجب على الغرب تقديم دعم عسكري واقتصادي مكثف لأوكرانيا لضمان استمرار بقائها كدولة ذات سيادة ولمنع روسيا من السيطرة على المزيد من الأراضي مما تحتفظ به بالفعل، ولكن الغرب يحتاج أيضاً إلى قبول فكرة أن القوة العسكرية وحدها لا يمكنها إنهاء الاحتلال الروسي. ويستدعي هذا الأمر تغييراً سياسياً في موسكو، وتسنم قيادة مستعدة لتقليل أو إنهاء الوجود الروسي في أوكرانيا لقاء تخفيف العقوبات. ولن يقبل بوتين مثل هذه الصفقة. ومن أجل صوغ حل وسط، ينبغي التفكير في نظام افتراضي مستقبلي في موسكو. وستحتاج واشنطن وشركاؤها إلى فرض مزيد من العقوبات الصارمة على جميع صادرات الطاقة الروسية، وحظر صادرات الغاز الطبيعي إلى أوروبا أولاً.
فيما يتعلق بالصين، تحتاج الولايات المتحدة كذلك إلى تقوية الأسس التي ينهض عليها نظام إقليمي. وهذا يدعو إلى إعطاء الأولوية لتحالفها مع اليابان، التحالف الرباعي “كواد” (الذي يضم أستراليا، والهند، واليابان، والولايات المتحدة)، وتحالف “أوكوس” (أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة). ومن خلال الاستفادة من الدروس المستقاة من استخدام أوروبا اللعبة السياسية المحرجة مع روسيا، على الولايات المتحدة تقليص الاعتمادها المتبادل مع الصين. وللأسف، قد يعني هذا في كثير من الأحوال، الاعتماد على الصين إلى حد كبير. وقد يترجم ذلك بتقليص العلاقات الإقتصادية، فتمسي الواردات من الصين والصادرات إليها أقل أهمية في ميزان سلامة الولايات المتحدة وشركائها الإقتصادية، ما ييسر الوقوف في وجه الصين، أو معاقبتها، إذا اقتضى الأمر. وعلى الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى تعزيز مرونة سلاسل التوريد في قطاع المواد الضرورية، ومزج التنويع بالوفرة والتخزين، والقيام بترتيبات المشاركة والتجميع، وعند الضرورة، زيادة الإنتاج المحلي. وهذا ليس طلاقاً اقتصادياً على قدر ما هو تباعد اقتصادي.
ستحتاج واشنطن وشركاؤها أيضاً إلى الرد بقوة إذا تحركت الصين ضد تايوان. إن السماح للصين بالاستيلاء على الجزيرة سيكون له تداعيات هائلة: فكل حليف وشريك أميركي سيعيد النظر في اعتماده الأمني على الولايات المتحدة ويختار إما استرضاء الصين أو شكلاً من أشكال الحكم الذاتي الاستراتيجي، الأمر الذي يستتبع، على الأرجح، الحصول على أسلحة نووية. وقد يؤدي الصراع على تايوان إلى صدمة اقتصادية عالمية عميقة جراء هيمنة تايوان على تصنيع أشباه الموصلات المتقدمة.
وعليه، فالحؤول دون هذا السيناريو، أو صد هجوم سياسي، إذا لزم الأمر، يدعو واشنطن إلى تبني موقف استراتيجي صريح في شأن تايوان، لا يترك مجالاً للشك في أن الولايات المتحدة ستتدخل عسكرياً لحماية الجزيرة، أو في تعهدها استخدام الوسائل الأمنية والإقتصادية الكفيلة بالوفاء بهذا التعهد. ستكون هناك حاجة لمزيد من المشاركة الدولية، عوضاً عن تقليصها، والتي ينبغي أن تستلزم كحد أدنى تنسيق حزمة عقوبات قوية مع الحلفاء الأوروبيين والآسيويين.
ستظل العلاقات مع كل من روسيا والصين معقدة، لأنها لن تكون أحادية البعد حتى لو كانت تنافسية أو عدائية إلى حد كبير. يجب أن تصبح الحوارات الإستراتيجية الخاصة رفيعة المستوى أحد مكونات العلاقات الثنائية. وفي السياق، لا يقوم الأساس المنطقي لمثل هذه الحوارات على ما يمكن إنجازه، على قدر ما يمكن تفاديه، على رغم أنه قد يكون، في حال الصين، مجال أوسع للنظر في الأسس والمبادئ، وتوجيه العلاقات بين القوتين وجهة مثمرة. فالمواقف والطموحات الأميركية – الروسية – الصينية المتباينة والمتنافسة، قد لا تسمح إلا بتعاون محدود في النظام العالمي. ولكن يمكن القول إن القضايا الخلافية هذه تجعل التواصل بين البلدان الثلاثة أكثر حيوية في سبيل تقليص فرص ارتكاب خطأ جسيم في الحسابات في المسائل الجيوسياسية.
وفي الوقت نفسه، على سياسة الولايات المتحدة ألا تسعى في تغيير روسيا أو الصين، وليس ذلك لأن الاضطلاع به غير مرغوب فيه بل لأن الدعوة إلى تغيير النظام، على الأرجح عديمة الجدوى، أو قد تأتي بنتائج عكسية. فيتعين على الولايات المتحدة أن تعامل روسيا والصين على ما هما عليه، وليس على الوجه الذي تفضل واشنطن أن تكونا عليه. وينبغي ألا ينصب تركيز السياسة الخارجية الأميركية تجاه روسيا والصين على إعادة تشكيل مجتمعاتهما، بل التأثير في خيارات سياستهما الخارجية.
بمرور الوقت، قد يؤدي تقييد نجاحهما الخارجي، وتجنب المواجهة معهما، إلى بناء ضغوط داخل أنظمتهما السياسية تؤدي إلى تغيير مرغوب فيه، تماماً على ما حصل في الاتحاد السوفياتي بعد أربعة عقود من الاحتواء. ولكن ينبغي ألا تتهدد تهديداً وجودياً أياً من الحكومتين خشية أن تعزز موقف جماعات في موسكو وبكين تجادل بأنه ليس ثمة ما يخسرونه جراء التهور، وليس ثمة ما يمكن كسبه من العمل بشكل مناسب مع الولايات المتحدة.
هناك سبب آخر لإعطاء الأولوية لتعزيز النظام على تعزيز الديمقراطية – سبب لا علاقة له مباشرة بروسيا والصين. تحظى الجهود المبذولة لبناء النظام الدولي، سواء كانت لغرض مقاومة العدوان، وانتشار الأسلحة النووية، أو إلى مكافحة تغير المناخ والأمراض المعدية، تحظى بدعم واسع من الدول غير الديمقراطية. ومن المفضل أن يكون هناك نظام عالمي قائم على احترام الحدود، والجهود المشتركة المبذولة في وجه التحديات العالمية، على أن يسود نظام عالمي ليبرالي لا ينهض على أي من الركيزتين. وإحجام كثير من الدول عن معاقبة روسيا يكشف عن أمور كثيرة. ولا عجب في أن وصف الأزمة في أوكرانيا بقضية تتعلق بالديمقراطية مقابل الاستبداد، لم ينطلِ على عدد من القادة غير الليبراليين. ولا شك في أن حقوق الإنسان شيء مهم، بيد أن السياسة الخارجية القائمة على مثل هذا التفضيل، في عالم تنظمه الجغرافيا السياسية والتحديات العالمية، هو سياسة غير حكيمة وغير مستدامة.
وعلى نحو قريب، على واشنطن تحديد طريقة تعاملها في قضية التعاون على مجابهة التحديات العالمية، بالاستناد إلى رؤية أميركية واضحة. والنهج المتعدد الأطراف أفضل بكثير من الانفراد. وتعدد الأطراف الضيق والمحدود واعد أكثر بكثير من العمل الجماعي العالمي، أو الواسع، الذي نادراً ما ينجح. فعلى على سبيل المثل، راقب مسار دبلوماسية تغير المناخ والتجارة. فالسعي في شراكات واقعية، مع ذوي التفكير المماثل، قد يضفي بعضاً من الانتظام على العالم، وفي مجالات محددة، ولو لم يؤد إلى نظام عالمي. وفي هذا المضمار كذلك، يحسن بالواقعية أن تتغلب على المثالية.
هذه الملاحظة لها آثار مباشرة على التعامل مع تغير المناخ. يشكل تغير المناخ تهديداً وجودياً، وعلى الرغم من أن الاستجابة العالمية ستكون أفضل ، إلا أن الجغرافيا السياسية ستستمر في جعل هذا التعاون صعباً. يجب على الولايات المتحدة وشركائها التركيز على المناهج الدبلوماسية الأضيق نطاقاً، ويرجح أن ينجم تقليص التهديد عن الإنجازات التكنولوجية أكثر من الدبلوماسية. وليس السبب هو الافتقار إلى أدوات سياسية ممكنة، بل نقص الدعم السياسي في الولايات المتحدة والدول الأخرى لتلك التدابير، أو الاتفاقيات التجارية التي قد تشجع تقليص التهديد الناجم عن تغير المناخ، بواسطة فرض ضرائب أو تعرفات جمركية على السلع المشتقة من الوقود الأحفوري، أو المصنعة في عمليات تفتقر إلى الكفاءة في استخدام الطاقة. وعلى ذلك، فهدف التكيف مع تغيّر المناخ ينبغي أن يحظى بمزيد من الاهتمام والموارد، وينبغي التشديد على استكشاف إمكان عكس مسار التغيير من طريق استخدام التكنولوجيا.
التقدم بعزم
وهناك ثلاثة اعتبارات أخيرة يقع احتسابها مباشرة على عاتق الولايات المتحدة. ففي أثناء عملها على فك العقدة التي تربط المعضلات الجيوسياسية القديمة بالمشكلات الجديدة، تواجه الولايات المتحدة عدداً من التهديدات الخطيرة، ليس من روسيا والصين فحسب، بل كذلك من إيران وعدد من الدول الفاشلة التي قد تغذي الإرهابيين في الشرق الأوسط الكبير، ومن كوريا الشمالية، التي تتنامى قدراتها العسكرية والنووية التقليدية. وبالتالي، فإن الأمن يدعو واشنطن إلى زيادة الإنفاق الدفاعي بنسبة تعادل 1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة أقل بكثير من تلك التي عرفتها الحرب الباردة. وهي خطوة كبيرة إلى الأمام. وعلى حلفاء الولايات المتحدة الخطو خطوات مماثلة.
وفي التعامل مع التهديدات المتعددة التي ترسم ملامح هذا العقد، ستحتاج الولايات المتحدة إلى التصرف، معاً، بحذر أكبر وجرأة أقوى في المجال الإقتصادي. وليس ثمة بديل جدي من الدولار، عملة احتياط عالمية. ولكن قد يأتي يوم، على الخصوص إذا استمرت واشنطن في استخدام الدولار سلاحاً من طريق فرض العقوبات بشكل متكرر، واستهدفت البنوك المركزية، تبطل فيه هذه الحال. وإذا ظهرت عملة منافسة، فقدت الولايات المتحدة قدرتها على الاقتراض بمعدلات فوائد منخفضة، واستخدام التضخم للتخلص من ديونها الكبيرة التي تبلغ حالياً أكثر من 30 تريليون دولار. ويهدد هذا الدين اليوم بالحؤول دون إنفاق حكومي أكثر إنتاجية، لأن تكلفة تسديده سترتفع طرداً مع ارتفاع أسعار الفائدة. ولكن على الحذر المالي أن يقترن بنهج تجاري أكثر حزماً، ما قد يعني الانضمام إلى “الاتفاقية الشاملة المتدرجة للشراكة عبر المحيط الهادئ” The Comprehensive and Progressive Agreement for Trans-Pacific Partnership، وتوضيح الأطر التي أُعلن عنها أخيراً في منطقة المحيطين الهندي والهادئ والأميركتين، بغية تقليص الحواجز أمام تجارة السلع والخدمات، ووضع معايير خاصة بالبيانات، ومعالجة تغير المناخ بشكل هادف.
وعلى رغم ذلك، فإن أكبر خطر يتهدد أمن الولايات المتحدة في العقد القادم مصدره الولايات المتحدة نفسها. إذ لا يمكن لدولة منقسمة على نفسها أن تستمر، ولا يمكن أن تكون فاعلة في العالم. فلن ينظر إلى الولايات المتحدة المنقسمة على أنها شريك، أو قائد، يمكن الاعتماد عليه، أو يمكن توقع تصرفاته، والتعويل على طاقته على مواجهة تحدياته الداخلية. وتخطي الانقسامات في البلاد يتطلب جهوداً متواصلة من جانب السياسيين والمعلمين والزعماء الدينيين وأولياء الأمور. وفي سياق متصل، فإن معظم الأعراف والسلوكيات المنشودة لا يمكن فرضها فرضاً، لكن لدى الناخبين القدرة على مكافأة السياسيين أو معاقبتهم وفقاً لسلوكهم. ويمكن إدخال بعض التغييرات بواسطة إجراءات رسمية، بما في ذلك توسيع نطاق تعليم التربية المدنية، وزيادة فرص الخدمة العسكرية.
والخروج بأمان من عقد صعب وخطير، والمحفوف بمخاطر جيوسياسية قديمة تضاف إلى التحديات العالمية المتزايدة، مثل العقد الحالي، يدعو إلى انتهاج سياسة خارجية تتجنب التطرف، جراء الرغبة في تغيير العالم أو تجاهله، في العمل الفردي أو الجماعي. ويحتاج الأمر إلى كثير من صانعي السياسة والدبلوماسيين الأميركيين، في وقت ينقسم فيه بلدهم انقساماً حاداً، ويتشتت انتباهه بيسر. وما هو مؤكد هو أن مسار هذا العقد، والعقود القادمة، يعتمد على جودة المهارات السياسية التي يتمتع بها المسؤولون في الداخل، وفن الحكم الذين يستخدمونه في الخارج.

*ريتشارد هاس هو رئيس مجلس الشؤون الخارجية ومؤلف كتاب يصدر قريباً “شريعة الواجب: 10 عادات لمواطن صالح”.
مترجم من دورية فورين أفيرز، عدد المئوية، المجلد 101 العدد 5 أيلول/سبتمبر- تشرين الأول/أوكتوبر 2022، من صفحة 25 إلى صفحة 38.
حقوق النشر محفوظة لشبكة المستشار الاخبارية
لا يجوز نشر أي جزء من هذه الأبحاث أو الدراسات أو المقالات إلا بموافقة الشبكة
يجوز الاقتباس بشرط ذكر المصدر كاملاً
وليس من الضروري أن تمثل المقالات المنشورة وجهة نظر الشبكة، وأنما تمثل وجهة نظر الكاتب.

أترك تعليق

لن يتم مشاركة بريدك الإلكتروني مع اي جهة أخرى - الرجاء مراجعة سياسة الخصوصية للموقع