October 27th, 2021

آخر الأخبار

التاريخ إن نطق، النظام القاتل نفسه منذ القائمقاميتين ولغاية اليوم، حروب لا تنتهي وتسويات مميتة.

news

٠أرني سلاحي لا اب لك اني ارى الحرب لا تزداد الا تمادي
وقد ينبت المرعى على دمن الثرى
وتبقى حزازات الصدور كما هي

هذا الموقف أطلقه شاعر القيسية زفر بن الحارث الكلابي عند هزيمة الحزب القيسي على يد الحزب اليمني في موقعة مرج راهط ٦٨٣م زمن الحاكم الأموي المرواني مروان ابن الحكم. وفي السردية التاريخية أن زعيم القيسية الضحّاك إبن قيس قتل في المعركة والتي انتصر فيها الأمويون للجانب اليماني. ومن المعروف أن الحرب بين القيسية واليمنية أي بين العرب العاربة والعرب المستعربة أي بين القحطانيين والعدنانيين، سبقت الإسلام بمئات السنين، في ما عرف بأيام العرب، وهي مجموع المعارك التي خاضتها القبائل العربية في ما بينها على مدى دهور طويلة، وأشهر تلك الحروب داحس والغبراء والبسوس، وكان عمادهما قبيلتا بكر وتغلب. وعندما ظهرت الدعوة الإسلامية، حاول النبي محمد العدناني أن يضرب بنية العصبيات القبلية بالتأليف بين القبائل تحت شعارات التسامح والأخوة في الدين، إنطلاقا من عناوين “لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى وأن اكرمكم عند الله اتقاكم،” ونجحت الدعوة في البداية بتهذيب العصبية مؤقتا، لكن بمجرد أن توفي الرسول عادت هذه العصبيات لتطفو على السطح مجددا، وبرز ذلك بشكل حاد وصريح في سقيفة بني ساعدة، عندما برزت فئة عارضت تولية علي بن أبي طالب خلافة الرسول، بحجة أنه قاتل سادة قريش من الكفار. هذا نموذج سيؤكد مسار ما آلت إليه الأمور في ما بعد، إذ لم يستطع الإسلام أن يحول دون طغيان العصبيات على حساب التعاليم الدينية والمثل الأخلاقية. فعادت ونشبت الصراعات الدموية التي غذّتها السلطات الحاكمة آنذاك من خلال سياسات عنصرية اتبعتها ضد خصومها، وكانت سياسة فرق تسد هي عنوان المرحلة وتلك التي تلت.
وبالعودة الى مرج راهط، وقف الأمويين الى جانب اليمانية رغم إنتمائهم تاريخيا إلى القيسيسة، فقريش محسوبة عرقيا على العدنانية، يعود ذلك إلى سبب لافت، فوزير الدعاية في البلاط الأموي الشاعر المشهور “غياث بن غوث” التغلبي الملقب بالأخطل، كان يمانيا وينتمي إلى قبيلة تغلب التي تدين بالنصرانية، إحدى أهم القبائل العربية وأقواها بأسا وعددا، وشاعرها المعروف “عمرو بن كلثوم” صاحب إحدى المعلقات السبع. الأخطل كانت له حظوة في البلاط الاموي منذ معاوية ابن أبي سفيان وكان قد هجا الأنصار وشاعرهم المعروف “حسان بن ثابت” وهو شاعر النبي ووصفهم بأبشع النعوت، وهذا لم يزعج معاوية البتة، بل كان محط تكريم دائم عند الأمويين، كونه الناطق الرسمي باسم الدولة والمدافع عنها ضد أعدائها وخصومها.
بعد مرج راهط حاول عبد الملك بن مروان الذي ورث الحكم عن أبيه، أن يقيم صلحا بين القبائل العربية وتحديدا بين القيسية واليمنية لما فيه حاجة ومصلحة للدولة، وتروي المصادر التاريخية “أنه خلال جلسة مصالحة عقدت في ديوان ما يسمى بالخليفة حضرها الشاعر زفر، ممثلا الجانب القيسي، دخل الأخطل على الخليفة، فلم يرق له المشهد، فلاحظ عبد الملك بن مروان تجهم وجه الأخطل فاستفسره الأمر، فجاوبه: “يا أمير المؤمنين كيف تجلس الى جانبك من تهددنا وتوعدنا في الأمس، وقال تبقى حزازات الصدور كما هي.” ما اضطر الحاكم الأموي إلى طرده من مجلسه، والشيء بالشيء يذكر فدخول الأخطل على ديوان الخليفة دون استئذان يشير إلى أهمية موقعه لدى البلاط، ويُروى هنا أنه كان يعاقر الخمرة في حضوره، وأنشد مرة يقول:” خرجت أجر الذيل زهوا كأني عليك أمير المؤمنين أميرا.”
أسوق تلك السردية لأقول:” إن الأحداث تعرف من مقدماتها التاريخية، فحتى نعرف إلى أين تذهب الأمور، علينا أن نعرف من أين أتت،” فليس صدفة أن الصراع الذي نشب قبل الإسلام استمر كل هذه الدهور ولما يزل، لكن للمفارقة التاريخية فإن صراعات القبائل العربية انتقلت إلى لبنان مع الفتح العربي لبلاد الشام، وبلغت ذروتها بين العائلات اللبنانية، خصوصا عندما كانت الإمارة في حالة ضعف نتيحة سوء إدارة الحكم والتدخلات الخارجية، التي كانت تغذي الإنقسامات بين هذه المكونات، فجرت في عام ١٧١١ معركة فاصلة في “عين دارة” تذابح فيها اللبنانيون من كل الطوائف، بعنوان القيسية واليمنية، مني فيها اليمنيون بهزيمة مرّة بمفعول رجعي يعود إلى أكثر من ألفي عام تقريبا، وكأنه قدّر للبنان أن يبقى ساحة أبدية لتصفية الصراعات الإقليمية.
صحيح أن المعركة حسمت على مستوى المسميات التاريخية، إلا أنها فعليا لم تحسم وظلت قائمة بأشكال ومسميات أخرى تعيش بيننا في الموروث الثقيل، في الممارسة والنهج والعصبيات القاتلة، فليس ٨ و١٤ آذار على سبيل المثال، إلا انعكاسا لهذا التاريخ المظلم وتأكيدا على فرز المجتمع إلى كيانات وطوائف وأحزاب لا ترقى في معظمها إلى مستوى الوطن.
لم يشهد تاريخ لبنان استقرارا نسبيا إلا عندما كان نظام الحكم فيه خارج الحسابات العصبية والطائفية، وربما المرحلة الأهم تبقى، عندما حكم الأمير فخر الدين المعني الثاني بمعزل عن الخلاف التاريخي في تقييم أداء الأمير وفترة حكمه، فكُتب التاريخ تصفه أنه على جانب كبير من الذكاء والمكر والحكمة، وقد عرف بحنكته كيف يؤلف بين العائلات الروحية والإقتطاعية في لبنان، وكيف صاهر بينهم، حتى أن المصادر التاريخية نقلت لنا “أن الأمير فخر الدين الثاني مات ولم يعرف انتماؤه الديني والمذهبي، وفي عهده اتسعت مساحة لبنان لتبلغ من العريش جنوبا إلى جبال طورس شمالا خصوصا بعد “معركة عنجر” ١٦٢٢ التي انتصر فيها على العثمانيين، كما اهتم بالقطاعات الإقتصادية المنتحة، وحبك علاقات دولية استخدمها لمصلحة الامارة.
إن مأساة لبنان بدأت عندما ضعفت الإمارة في ظل التدخلات الأجنبية السافرة في شؤون البلاد، وسعي أمراء الإقطاع والطوائف إلى زيادة نفوذهم الذي كان يضعف أمام الحاكم القوي، لذلك إنتهى الحلم اللبناني في الوحدة مع بداية نظامي القائمقامية والمتصرفية، وظهور ما يسمى “بستة ستة مقرر،” الذي كرس حكم الملل والطوائف، وهو مستمر لغاية الآن وندفع ثمنه غاليا حتى الساعة.
إن منطق الأحداث التاريخية يقودنا إلى الإعتراف، أن الكيان اللبناني لن تقوم له قائمة، إذا ما استمر في إنتاج صيغة الحكم نفسها، ببعدها السياسي والإقتصادي والإجتماعي، متشربا من المروث القاتل للعنة حزازات الصدور، فلم يعد تنفع كل الحلول والتسويات في إنتاج حلول ظرفية لمشاكل هي بطبيعتها بنيوية، فصيغة ١٩٤٣ سقطت بعد الإستقلال بحوالي ٣٠ سنة، وسقط معها إتفاق الطائف بعد الفترة عينها تقريبا، على وقع حروب ومعارك بينية متنوعة داخلية، وحروب إسرائيلية عدوانية مستمرة، وتسويات تافهة (آخرها الدوحة)، تعيد إنتاج النظام الفاسد عينه وطبقة سياسية مستمرة في نهب البلد.
لذلك وانطلاقا من المتغيرات الكبرى التي حصلت خلال خمسة عشرة سنة، وتحديدا في لبنان والمنطقة وتبلور موازين قوى جديدة ساهمت في رسم مصير المنطقة لعشرات السنين المقبلة، لا بد من إعادة النظر بأصل الكيان والنظام اللبنانيين، والذهاب إلى مؤتمر تأسيسي يضع أسس الجمهورية اللبنانية الحديثة، خصوصا في وجود قوى متصاعدة، لا تبحث عن الهيمنة وتسييل فائض القوة لديها في الداخل، بل تدعو لقيام الدولة الوطنية ذات الحكم الرشيد والعابر للطوائف، وهي فرصة نادرة ومهمة ليقتنصها اللبنانيون، في القبول بتسوية نهائية تنقذ لبنان من أزمته البنيوية، وتدخله في عصر المعنى الحقيقي للكيان السيد والحر والمستقل، واستثمار عناصر القوة الصلبة التي تمتلكها النخب اللبنانية على جميع المستويات، ومن ضمنها أهم النخب قوة وفعالية المتمثلة بالمقاومة القادرة على لعب دور رئسي في حماية وصون الكيان الجديد وبالتعاون والتنسيق بين المؤسسات العسكرية. فليس قدر الشعوب أن تستمر باجترار أزماتها، فثمة لحظة تاريخية محددة وحاسمة تفرض نفسها على عميلة التغيير الكبرى، والإعتقاد أن اللحظة ربما باتت مؤاتية، وليس لبنان استثناء في ذلك فثمة شعوب مرت بالتجربة عينها على مدى دهور طويلة وتوصلت الى الخروج من مأزقها.
وتقع على القوى التي تمتلك مؤهلات القيادة مسؤولية المبادرة نحو التشجيع على ضرورة انتاج صيغة الحكم الجديدة هذه، ما من شأنه أن يطمئن جميع المكونات إلى أن الدولة الموعودة قادرة على تلبية طموحاتهم ورغباتهم في العيش الكريم والخروج من أسر الزبائتية التي تمارسها الطبقة الحاكمة اليوم، ما يبدد القلق على مستقبلهم.
إن أي تسوية تقليدية تتمثل بتشكيل حكومة بما تيسر، ستحمل معها بذور انفجارها، فالعود على بدء هو مراكمة الفاتورة القاتلة على الوطن والمواطنين، في وقت ينهار البلد على الجميع، لذلك وجب السعي إلى فرض تسوية صلبة، لا بأس إن حصلت في ظل أجواء ساخنة، لأنه من الصعب حصول تغيير حقيقي على البارد وهذه محض تجربة اثبتها تاريخ طويل من الصراعات التي لا تنتهي بين العرب العاربة والمستعربة.

أترك تعليق

لن يتم مشاركة بريدك الإلكتروني مع اي جهة أخرى - الرجاء مراجعة سياسة الخصوصية للموقع