October 16th, 2021

آخر الأخبار

البعض يشتهي تحميل حزب الله مآسي لبنان منذ فتنة ١٨٤٠ ولغاية اليوم. المقاومة أمام استحقاقات خطيرة والأميركي يرغب بمحاولة تجاوز عقدة المنشار قبل التسوية والعين على بيئة الثنائي.

news

ليس مستغربا أن يُحمّل حزب الله مسؤولية كل الأحداث التي مرّت في لبنان بدءاً من فتنة أحداث ١٨٤٠ ولغاية اليوم، ففي الخطاب الشائن لمجموعة لبنانية ما يشتهيذلك حقدا وحسدا وترغيبا من دول تمنّي النفس أن تستيقظ في يوم من الأيام وقد ابتلعت الأرض المقاومة.
الدلائل على ذلك كثيرة وليس آخرها تحميل المقاومة مسؤولية خراب لبنان بلسان محلي وخارجي وتحديدا أميركي وإسرائيلي وسعودي. وكان الهدف الأول والاخير لهؤلاء إزالة كل عقبة أمام مشروع قيام اسرائيل الكبرى، حيث لعرب الردة فيه دور الممول والمستهلك في آن، وبالتالي تصفية القضية الفلسطينية إلى الأبد.
هذا ليس تحليلا، بل هو ما يحصل تماما، وهو بدأ باكراً جداً مع بداية القرن المنصرم، وينفّذ على مراحل بانتظار لحاق ما تبقى من دول خليجية وعربية بدولة الإمارات، بتوقيع معاهدات سلام تطبق الخناق على فلسطين من باب صفقة القرن.
هذه الحقائق تدركها مكونات المقاومة في المنطقة وتدفع من جرائها أثمانا باهظة على المستويات كلها، من طهران الى بغداد مروراً بصنعاء وغزة وصولاً إلى دمشق فبيروت، حيث تدور المواجهات وتبذل التضحيات لحماية مكتسبات وانتصارات آخر أربعين عاما.
في لبنان يوجد أحد أهم الركائز على خط المواجهة الساخن في المنطقة المحاذي لجغرافيا الكيان الغاصب لفلسطين، والذي بات يشكل تهديداً وجودياً له، باعتراف قادة العدو أنفسهم، لا بل إن كل الوقائع تشير إلى أن ثقل معاناة العدو هو في هذه الناحية، مع التذكير أنه ما زال يقف على رجل ونصف منذ مدة، وقبلها ذاق هزيمة المرارة وهو أمر غير مسبوق في تاريخ الصراع، أن تفرض قواعد الإشتباك عليه ويفقد حيلة المبادرة.
يعرف أعداء مكونات المقاومة أن بداية استعادة زمام الأمور في الإقليم يبدأ بإخراج حزب الله من المشهد لتكر السبحة من بعده، فهو يشكل بالنسبة لهم ممرا إجباريا باتجاه العقدة التي يجب على المنشار أن يتجاوزها اذ ما أراد أن يقص جذع الشجرة.
لكن كيف للمنشار أن يتجاوز العقدة الصلبة.؟
بعد تجارب عديدة سابقة فاشلة، يحاول حلف الأعداء في كل مرة تطوير أساليب المواجهة وتعديلها بما يؤدي الغرض المطلوب، ففضلا عن الضغط السياسي والإقتصادي والمعيشي على اللبنانيين، والتجييش الطائفي والمذهبي الذي تتولاه بقوة وسائل إعلام محلية وعربية معروفة بعدائها للمقاومة، هناك توجه لدى هؤلاء لمسك اليد التي باعتقادهم تؤلم المقاومة وهذا صحيح الى حد ما، وذلك بالعمل على تكثيف الإستفزازات ضد المقاومة من باب الفتنة الشيعية السنية، والأدهى من ذلك العمل بجدية على اختراق البيئة الشيعية لإعادة إحياء الصراعات المريرة التي سادت أواخر ثمانيات القرن الماضي بين الثنائي.
بالنسبة لحزب الله لطالما شكل هذا النوع من الصراعات هاجسا ثقيلا له، وهو بذل جهداً جباراً لتفاديه على مدى أكثر من خمسة عشرة سنة، واضطر في مرحلة من المراحل عندما وصل السكين الى رقبته، إجراء عملية جراحية بأقل الاضرار الممكنة في الثامن من أيار ٢٠٠٨، وهو عاد وتنازل عن مكاسبه الميدانية ورضي باتفاق الدوحة من أجل الإستقرار، ثم أجبر على خوض الحرب في سوريا ضمن المخطط نفسه لحماية المقاومة، تحت ضغط تسعير الخطاب المذهي في المنطقة، ودفع أثمانا معنوية ومادية جراء هذه الإرهاصات المفروضة عليه، وأدت إلى خسران كثير مما جناه على مستوى التأييد العربي والإسلامي والداخلي في أعقاب إنتصار تموز.
لكن المقاومة صمدت وانتصرت، وحاولت جاهدة تجاوز تداعيات الحرب في سوريا ونجحت الى حد ما. والقصة بطبيعة الحال لم تنته، فاستمر حلف العدوان بابتكار الوسائل، لاسيما مع تصعيد غير مسبوق في المنطقة مع تولي دونالد ترامب الرئاسة الأميركية وإطاحته بالاتفاق النووي مع إيران تنفيذا لوعوده الانتخابية، ومن ضمنها صفقة القرن والاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني وضم الجولان له، وتفعيله لقوانين الحصار والعقوبات الإقتصادية على ايران وسوريا وباقي مكونات المقاومة.
واليوم في ظل تهافت دول الخليج على السلام مع إسرائيل وتنفيذ خطة القرن، كان لا بد من خلق أجواء مؤاتية في لبنان، بدأت في ما يسمى بحراك ١٧ تشرين في استغلال واضح لمعاناة الناس جراء فساد الطبقة السياسية، والتي بامكاننا اتهام معظمها بتوفير هذه الأجواء لمخططات ظهرت حقيقتها، عبر الإحتجاجات العنيفة والشعارات التي رفعت والتي لخّصت لاحقا بمطلب وحيد وهو نزع سلاح المقاومة وتحميلها مسؤولية أزمات لبنان كما اسلفنا سابقا، ولما لا، بدءاً من أحداث فتنة ١٨٤٠.
وجاءت جائحة كورونا لتصب الزيت على نار الأزمة في لبنان، ما أصاب المشهد اللبناني بأجمعه بالإرباك، ثم وقعت واقعة المرفأ، في تسلسل غريب ومريب للأحداث، وكما في كل مرة استغل الحلف نفسه هذا الحدث الخطير للتصويب على المقاومة وتوجيه أصابع الإتهام اليها، وتحميلها المسؤولية والدعوة الى نزع سلاحها كشعار وحيد عاد بقوة. وبلغ الأمر حدا كبيرا من تسعير أجواء الفتنة من خلال تنظيم احتجاجات ضد حكومة حسان دياب، تولتها العدة الاعلامية والسياسية ذاتها، فسعت بكل ما لديها باستفزاز المقاومة في الشارع عبر شعارات وسباب وشتائم طالت رموزها. وكاد أن يقع المحظور لولا تدخل قيادات المقاومة بقوة لمنع الإنجرار إلى ما يريده أعداء لبنان وعملائه في الداخل.
فالإحتجاجات التي قامت بها مجموعات قليلة معروفة الإنتماء، صُوّرت زوراً وتزييفاً بأنها تمثل إرادة اللبنانيين، لكن للأسف فإن سياق الأحداث قادت إلى استقالة الحكومة بعد رفع الغطاء عنها لدى الجهات التي شكلتها، وهي جهات في المحصلة لها وجهات نظر سياسية مختلفة في رؤيتها للحالة اللبنانية، نتيجة تضارب المصالح والأولويات في ما بينها.
الآن يزداد المشهد تعقيدا لا سيما بعد قرار المحكمة الدولية المسيس إلى أبعد حدود، والذي حاول أن يستدرج المقاومة الى صفقة مغرية بهدف نيل اعترافها بها، لمجرد أنها لم تتهمها مباشرة بمسؤوليتها عن اغتيال الحريري، وهذا فخ تدركه المقاومة التي أصرت على براءتها وعدم اعترافها بالمحكمة ومفاعيلها، حتى لو لم تتهم أحدا من حزب الله، وهذا الموقف عبر عنه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في أكثر من مناسبة.
صحيح أن قرار المحكمة امتص التوتر السياسي والمذهبي إلى حين في الشارع، وأراح المقاومة لناحية عدم إتهام المستوى السياسي بالمسؤولية، وربما لعبت جهات دولية دوراً ما على هذا المستوى، بعد تأجيل النطق بالحكم الذي كان مقررا في ٧ آب وزيارة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون إلى لبنان واختلائه برئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد، على أمل التوصل إلى إنتاج تسوية ما، تستثمر تداعيات الإنفجار في المرفأ واستقالة حكومة دياب وبالتالي دفع حزب الله إلى التنازل السياسي وإنهاء مفاعيل نتائج الإنتخابات النيابية الأخيرة التي ظلت عصية على الهضم داخليا وخارجيا.
ومن المعروف أن حزب الله لا يرى مانعا بتولي سعد الحريري تشكيل الحكومة، لا بل إنه أبدى تمسكه به سابقا، وبالتالي لن يرفض عودته، كونه الشخصية الأكثر تمثيلا للشارع السني، وأن التعاون معه من شأنه أن يضبط الشارع ويقيد حركة رموز سياسية كوليد جنبلاط وسمير جعجع، ويزيل العقبات أمام الإنفتاح على الخارج من أجل تخفيف الضغوط الإقتصادية والعقوبات المفروضة على لبنان.
ولأن حزب الله ومن أجل الاستقرار الداخلي وتفرغه لمواجهة الإحتلال قدم تنازلات في السابق فهو مستعد أن يقدم تنازلات جديدة إذا كان من شأنها أن تحقق المراد، شرط أن يكون السلاح خارج هذه المعادلة، وهو ما لمسه الحزب من الفرنسيين انفسهم.
لكن ماذا عن الموقف الاميركي.؟
ثمة إشارة ألمح إليها مساعد وزير الخارجية الأميركي أثناء زيارته الأخيرة إلى لبنان عندما قال في تصريح له:” إن واشنطن طالما تعاونت مع حكومات لبنانية تمثل بها حزب الله….” لكن هل تكفي هذه الإشارة الى إمكانية تركيب بازل التسوية، من خلال قناعة الجميع بضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية بشروط متواضعة، يقبل بها الجميع بمن فيهم سعد الحريري الذي ينتظر موافقة السعودية.؟ وهل ترى أميركا أن من مصلحتها تهدئة الأوضاع في لبنان لتمرير فترة الانتخابات الأميركية في الأشهر الثلاثة المقبلة.؟ أم أن لها موقف آخر ولعبة أخرى تريد أن تجربها قبل أن تضطر إلى الموافقة على تسوية مؤقتة.؟وما هي هذه المحاولة.؟
الجواب يكمن في أمر لطالما حلمت به أميركا واسرائيل، وهو ضرب بيئة المقاومة من الداخل خصوصا وأن التاريخ لم يعصم هذه البيئة من مرارة التجربة المرة والإقتتال المر. لكن من البديهي أن قيادة الثنائي حركة أمل وحزب الله يدركان حقيقة هذه المساعي ويعملان بجهد لتلافي المحظور، خصوصا وأن أجهزة استخباراتية عدة تعمل على الأمر بشكل حثيث، ولكن السؤال ما مدى هذا الجهد الذي يبذل وجديته؟يحسب إيجابا للقيادتين شراكتهما المتينة في الحد الأدنى منذ إغتيال الرئيس الحريري في ١٤ شباط ٢٠٠٥ ولغاية اليوم، رغم الجهود المبذولة خارجيا وداخليا لفك الارتباط بينهما، تمهيدا لاستكمال عزل حزب الله وتطويقه في بيئته وعلى المستوى اللبناني، ويدرك الثنائي أيضا أن التعايش بينهما في جو من التنافس السياسي و الإجتماعي المحموم، وتداعيات الأزمة اللبنانية ومسؤوليات ما آلت إليه الأوضاع الإقتصادية ومسؤولية الطبقة السياسية الحاكمة والكلام عن الفساد، يخلق جوا من الحساسيات والتوترات خصوصا لدى قواعد الطرفين، تبرز أحيانا على شكل تبادل اتهمامات عبر وسائل التواصل الإجتماعي ومن خلال الغرف المغلقة وقليلا، من خلال إشكالات وصدامات في الشارع وصولا الى تبادل إطلاق النار، كما حصل في بلدة اللوبية منذ أيام وقبلها في أماكن متفرقة. لكن هي من المرات النادرة أن يسقط فيها ضحايا وهو الأمر الذي يترك آثارا عميقة تذكر بفترة عصيبة خلت، وقد لمس الطرفان محاولة الإعلام الخبيث صياد الفرص، لاستغلال الحادثة ومحاولة تحميلها أبعادا أكبر من لحظيتها.
لكن هل هي حادثة لحظية فعلا.؟
نتمنى ذلك، خصوصا وأن الضمانة متوفرة في حكمة القيادتين، والتي يجب أن تنسحب على القواعد، بمعالجة القصور والتقصير والجهل الذي يكتنف أحيانا عمل وإدارة الشأن العام لدى بعض مسؤولي القرى والبلدات، و القطاعات والأقاليم، خصوصا وأن ثمة أطرافا لها أجندات مشبوهة وأخرى معادية تعمل في البيئة الشيعية بإمكان العدو استغلالها لضرب هذه البيئة.
بالمحصلة المشكلات السياسية موجودة بين الطرفين، خصوصا أن أولوياتهما أو رؤيتهما لبعض ملفات الداخل متعارضة رغم توافقهما في استراتجية مواجهة العدو ومؤامرات الداخل، لكن يجب السعي بجدية أكبر إلى تخفيف أسباب التوتر والاحتقان عند أي مناسبة، حتى لا يقع الأسوأ، وهذا يحتاج إلى مقاربة مختلفة في المادة التي تقدم للجمهور، منها عدم وجود إدارة جيدة لتنظيم الخلافات، ومنها على سبيل المثال عدم تنفيس الإحتقان الناجم عن الصراع مع الخصوم السياسيين ما سيحَوّل أحيانا التنفيس الى البئية عينها، فنقع في مشكلة أكبر. فليس الحكمة دائما في الامتصاص، لأن للإسفنجة حدودا في تلقي المياه، ولذلك علينا إعادة تدويرها خارجا بعناية مدروسة.
كل الأعداء ينتظرون خطأ ما أو ثغرة مكشوفة لينقضوا علينا، لكن ما يُطمئن إلى حد ما، قوة المقاومة ونجاعتها في المبادرة وقدرة تحركها في إنهاء الحالات الشاذة، إذا ما باتت تشكل خطرا على واقعها ومستقبلها. وهذا أمر محسوب ولا يمكن إسقاطه من الحسابات، ويعرف الصديق والعدو حقيقة هذا الأمر.
يبقى في المشهد ما لا يمكن نسيانه، وهو القرار المتخذ برد المقاومة على اغتيالها أحد كوادرها في دمشق. لعل الرد الآتي يكون مناسبة لإعادة خلط كل الأوراق والتسويات المرتقبة، إن قرر العدو أن يتورط في حسابات خاطئة تصب كما جرت العادة في مصلحتنا، ما يغنينا عن تعقيدات الداخل.

أترك تعليق

لن يتم مشاركة بريدك الإلكتروني مع اي جهة أخرى - الرجاء مراجعة سياسة الخصوصية للموقع