آخر الأخبار

إقالة بولتون: حزب الحرب بلا زعيم

news

ملف الاخبار عن اقالة جون بولتون الخميس 12 ايلول 2019

«حزب الحرب» يفقد أبرز أركانه

صورة بولتون عن أ ف ب

وليد شرارة

إقالة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مستشاره للأمن القومي جون بولتون، مؤشر جديد على افتقاد إدارته استراتيجية واضحة على المستوى الدولي. هذه الإقالة، وهي الثالثة من نوعها لمسؤول في هذا المنصب منذ انتخاب ترامب، تؤكد أن اختيار بعض أعضاء الفريق الرئاسي الذين احتلّوا مناصب حساسة في المؤسسات الأميركية، كوزارة الدفاع ووزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي، لم يكن محكوماً بوجود رؤية مشتركة للوضع الدولي وللسياسات الواجب اعتمادها بينهم وبين الرئيس.

تعليقاً على الاستقالة، رأى بول بيلار، الذي خدم لمدة 28 عاماً في الجيش ومن ثم في عدة أجهزة أمنية أميركية، في مقال نشره على موقع «لوبلوغ»، أنه «عندما تكون السياسة خاضعة لأولوية نيل رضى القاعدة الانتخابية الداخلية بدلاً من أن تكون ترجمة لرؤية واضحة حول موقع أميركا في العالم، لا يعود الانسجام في المواقف بين الرئيس والمرشح لاحتلال منصب في فريقه شرطاً أساسياً في عملية اختياره». التباينات والخلافات في توجهات ترامب وبولتون بالنسبة إلى السياسة الخارجية كانت كثيرة وغير خافية، وتتمحور بشكل رئيس حول مسألة اللجوء إلى الحرب لإنفاذ الأجندة السياسية الخارجية للولايات المتحدة. معارضة بقاء القوات الأميركية في مسارح الحروب البعيدة، كأفغانستان والعراق وحتى سوريا، وعدم التورط في حروب مديدة جديدة بذريعة نشر الديمقراطية والقضاء على الاستبداد، كانت من أبرز الشعارات السياسية التي رفعها ترامب خلال حملته الانتخابية وأسهمت في اجتذاب أصوات قطاعات لا يستهان بها من الناخبين الأميركيين؛ بينما بقي بولتون، الذي كان بين مهندسي غزو العراق سنة 2003 وداعياً لضرب إيران منذ ذلك التاريخ، من أنصار استخدام القوة العسكرية بشكل فوري وواسع النطاق ضد مجموعة من الدول والقوى المصنفة من قِبَله أنها معادية لهيمنة الولايات المتحدة وخطر على مصالحها ومصالح حلفائها. هذه الاختلافات المعروفة لم تمنع ترامب من تعيينه في منصبه في 22/03/2018، ولكن إخفاق السياسات التي أوصى بها في أكثر من ملف، وأقنع الرئيس الأميركي باعتمادها، في تحقيق أهدافها المعلنة، وتبعاتها السلبية المحتملة على فرص إعادة انتخابه لرئاسة ثانية عام 2020 حدت بالأخير إلى إقالته وإفقاد «حزب الحرب» أبرز أركانه.

قد يكون جهل دونالد ترامب المطبق بالسياسة الدولية وما تشهده من تحولات عميقة في موازين القوى بين لاعبيها، وطغيان الاعتبارات الانتخابية لديه على ما عداها من اعتبارات استراتيجية وسياسية، وكذلك تدخل شيلدون أدلسون، الملياردير الصهيوني وأحد أبرز مموّلي حملة ترامب وداعميه، لمصلحة بولتون، هي جميعها من بين العوامل التي أدت إلى تعيينه مستشاراً للأمن القومي. ترامب لم يكن قادراً على توقّع ما ستفضي إليه السياسات التي سينصح بها بولتون قبل وضعها موضع التنفيذ. كان المهم بالنسبة إليه هو انعكاس تعيينه لبولتون، والإعلان عن التوجهات «الصقورية» التي يعتزم اعتمادها، على صورته كرئيس قوي سيعيد الولايات المتحدة إلى «عظمتها». حرص في أكثر من مناسبة على تمييز نفسه عن مستشاره المتطرّف، لكنه كان سعيداً بأن يكون محاطاً بهذا النمط من المسؤولين. إذاعة «مونت كارلو» الدولية ذكرت أن ترامب كان يقدّم بولتون للزعماء الأجانب بالقول: «تعرفون جميعاً جون بولتون العظيم. سوف يقصفكم ويستولي على بلدانكم بالكامل». ربما ظن أيضاً أنه يستطيع استخدامه «فزاعة» للضغط على الخصوم والحلفاء، على حد سواء، لاستدراج تنازلات منهم لصالح الولايات المتحدة. غير أن تطبيق توصيات المستشار عملياً أوصل إلى مآلات لم يكن يرغب فيها الرئيس الأميركي.

يرغب ترامب في إضعاف إيران وإبقاء الضغوط عليها ولكن من دون التورط في حرب

في ملف إيران، مثلاً، تآمر بولتون مع مايك بومبيو، وزير الخارجية، لتقديم خطة «الضغوط القصوى»، المستلهَمة حسب مزاعمهم من استراتيجية إدارة ريغن ضد السوفيات، لحمل إيران على الاستسلام للشروط الأميركية، أو حتى، في أفضل السيناريوات بالنسبة إليهما، التسبب في انهيار نظامها الإسلامي، من دون الاضطرار إلى إطلاق طلقة نار واحدة. عُرضت الخطة على الرئيس على أنها بديل من الحرب. لكن تطبيقها من خلال فرض حصار خانق على طهران، والعمل على زعزعة استقرارها، والتموضع عسكرياً في منطقة الخليج، والموافقة على تصعيد وتوسيع إسرائيل لاعتداءاتها على سوريا والعراق ولبنان، أمور باتت تضع المنطقة اليوم على حافة حرب قد تنطلق نتيجة ضربة تقع في أيّ من ساحات الاشتباك المتعددة الحالية. ترامب، ومعه الدولة العميقة، وقسم من الإدارة، يريدون أن تؤدي «الضغوط القصوى» إلى تفاوض مع إيران على تنازلات من قِبَلها. أما «حزب الحرب» الأيديولوجي – العقائدي، ممثَّلاً ببولتون وبومبيو ونائب الرئيس مايك بنس، فهو يريد الحرب التي تفضي إلى تدمير مقدّرات إيران وبناها التحتية وتحوّلها إلى بلد منكوب. بولتون تحديداً يريد استكمال المهمة «التاريخية» عبر ضرب إيران، بعد تدمير العراق وليبيا وسوريا، خدمة لإسرائيل أولاً وأخيراً. ليست لديه حسابات انتخابية، ولا يعير الكثير من الاهتمام لطموحات ترامب إلى تجديد ولايته. هو بلا شك اعتبر وجود رئيس مغفّل فرصة تاريخية لمحاولة تنفيذ المهمة المشار إليها. الأمر نفسه ينطبق، بدرجة أو بأخرى، على بقية أعضاء «حزب الحرب» الإنجيليين الصهاينة، كبومبيو وبنس، لكن بولتون أكثرهم تشدداً.

صمود إيران في المواجهة، وحزمها في التصدي للاستفزازات الأميركية، أفهما ترامب أن المضي في الخطوات التصعيدية ضدها قد يعني في أي لحظة الانزلاق إلى الحرب. هو يرغب في إضعاف إيران وفي إبقاء الضغوط عليها لتذعن لمطالبه، ولكن من دون التورط في حرب جديدة ستكفي أكلافها لتبديد أحلامه بالفوز برئاسة ثانية. لا يتسق التورط في مثل هذه الحرب أيضاً مع أولويته المعلنة، وهي احتواء الصين ووقف صعودها. هو لم يتورع عن التصريح بأن «الله اختاره» لمحاربتها. لا يمكن محاربة قوة صاعدة فتيّة وحيوية، وخوض حروب قد تكون مروّعة على جبهات أخرى في الوقت عينه. الوضع نفسه ينطبق على مشاركة بولتون في تخريب محاولات التقارب مع روسيا. ترامب يسعى إلى التقارب معها لتحييدها على الأقلّ في مواجهته مع الصين، لكن التوصيات التي طرحها بولتون بالنسبة إلى الاتفاقيات والمعاهدات حول الأسلحة النووية والصواريخ المتوسطة المدى (وهو في ذلك يلتقي مع أقطاب في الدولة العميقة والمؤسسة العسكرية كوزير الدفاع السابق جايمس ماتيس) نجمت عنها قرارات أميركية سعّرت سباق التسلح مع روسيا. كيف تنجح الولايات المتحدة في إبعاد روسيا عن الصين وتحييدها في سياق كهذا؟ لعب بولتون أيضاً دوراً تخريبياً بالنسبة إلى مفاوضات السلام في أفغانستان. الرجل لا يزال يعتقد بأن الولايات المتحدة «قوة خارقة» (Hyper Power)، وهو مفهوم روّجته وسائل الدعاية الأيديولوجية الأميركية لحمل الآخرين عبر العالم على التسليم الطوعي بهيمنتها، على الرغم من أن الوقائع في العقدين الأخيرين، وفي أنحاء الكوكب، أظهرت تراجعها المستمر. هذه الوقائع العنيدة وما تكشفه من تغييرات في موازين القوى هي التي حملت ترامب على التخلّص من مستشاره الواهم، على رغم علمه بأن الكثيرين في تل أبيب والرياض سيشعرون بلوعة الغياب.

طهران تحتفل… بحذر

يصعب على المراقبين فصل إقالة مستشار الأمن القومي الأميركي، جون بولتون، عن ملف إيران، بغضّ النظر عن حجم التأثير المتوقّع. في طهران، سريعاً توالت التعليقات على الإقالة، وإن بدت تصريحات المسؤولين متفاوتة اللهجة، إلا أنها تقاطعت عند الترحيب ضمناً بالحدث، لكن بشيء من الحذر، على اعتبار أن إزاحة أكبر الصقور في البيت الأبيض قد لا تكون كافية لوقف العقوبات وخوض مفاوضات.

ظريف: التعطّش للحرب والضغوط القصوى ينبغي أن يزولا مع غياب أكبر داعية للحرب (أ ف ب )

لا تكمن أهمية إبعاد أخطر أضلع مربّع الحرب على إيران، الذي ابتكر وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف له مصطلح «فريق ب 4» (بولتون وبنيامين نتنياهو وابن سلمان وابن زايد)، في كون بولتون شخصاً صاحب أفكار شديدة التطرّف ولا يخفي تأييده لسياسة الحملات العسكرية، فحسب. الأهم أن الرجل ترجم عداءه لإيران ولاتفاقها النووي في هذه المرحلة بخطة وبرنامج عمل نشره في «ناشيونال ريفيو» عام 2017، حين كان خارج الإدارة. وأوضح يومها أن ستيف بانون طلبها منه بناءً على طلب الرئيس دونالد ترامب، الذي اشتكى بولتون من عدم قدرته على الاتصال واللقاء به، قبل أن تفتح أبواب البيت الأبيض له ويحمل لقب مهندس خروج واشنطن من الاتفاق النووي.

يربط البعض بين المقال، الذي أعاد نشره ظريف في تغريدة قبل أسابيع، وسياسة «الضغوط القصوى» المتبعة أميركياً منذ الانسحاب من الاتفاق النووي، وبالتالي تتعزّز التوقّعات بأن رحيل «مهندس الخطة» سيتبعه تغيير سيطرأ في الأيام المقبلة على سياسة البيت الأبيض تجاه الملف. من هنا، بدا تعليق ظريف على إخراج بولتون احتفالياً، لكنه حذّر في الوقت نفسه من استمرار السياسة نفسها في إشارة إلى عقوبات جديدة فرضتها الحكومة الأميركية بالتزامن مع إقالة بولتون. وكتب ظريف: «بينما كان العالم… يتنفس الصعداء لإطاحة رجل الفريق باء في البيت الأبيض، أعلنت (واشنطن) فرض المزيد من الإرهاب الاقتصادي (العقوبات) على طهران»، وأضاف: «التعطش للحرب والضغوط القصوى ينبغي أن يزولا مع غياب أكبر داعية للحرب (بولتون)». وفيما اكتفى الرئيس حسن روحاني بالقول: «ينبغي لأميركا أن تدرك أن… عليها أن تنأى بنفسها عن دعاة الحرب»، اعتبر مدير مكتبه، محمود واعظي، أن الإقالة «تظهر أنه حتى الإدارة الأميركية المتطرفة أدركت أخيراً أن زمن إثارة الحروب والتهديد قد ولى»، وزاد: «لو أرادت هذه الإدارة التعاطي مع العالم، فإن السبيل هو المنطق». أما أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي شمخاني، فأكد أن «طرد بولتون المشين من البيت الأبيض» يشكّل هزيمة لمخطط أعداء النظام، وعلامة على صمود بلاده بوجه التهديدات، لكنه نبه إلى أن «تعيين المسؤولين في الإدارة الأميركية وعزلهم لن يؤثّرا بمواقف إيران من النيّات السيئة لهذا البلد… معيار التقييم لدى الجمهورية الإسلامية يرتكز على السياسات الحقيقية».

يزداد الشعور بالارتياح في طهران تجاه إطاحة بولتون مع استعادة مواقفه العلنية الداعمة للمجموعات المعارضة للنظام، كتنظيم «مجاهدي خلق»، وتركيزه على إطاحة هذا النظام الذي كرّر وضع وعود ومواعيد لسقوطه، وتوقّع ألّا يحتفل بالذكرى الـ40 لثورته، كما للمفارقة فإنه قال في خطاب العام الماضي لمجموعات معارضة في الخارج إنه سيحتفل معهم في طهران عام 2019. بالموازاة، أنصار التفاوض مع الولايات المتحدة وجدوا الآن ذريعة جديدة لإقناع معارضي الحوار بأن التطور داخل البيت الأبيض جدير بالاهتمام ويساعد على ملاقاة ترامب في منتصف الطريق. إقالة ترامب لبولتون عشية اجتماعات الأمم المتحدة، حيث ينصبّ رهان المبادرة الفرنسية على عقد لقاء بين روحاني وترامب، فتحت شهية التحليلات على رغبة جامحة لدى ترامب في إنجاح هذه المبادرة. لكن لا يبدو أن أحداً في مؤسسات القرار في طهران سيقبل بالاكتفاء بهذا القدر، إذ المطلوب اختبار جدّية ترامب عبر الطلب منه إظهار المؤشر الثاني والأهم على «حسن النية»، وهو إيقاف «الحرب التجارية»، سواء بالتخفيف من سياسة الضغوط أو إعادة الإعفاءات أو ربما تعليق العقوبات. وسريعاً كثّفت طهران من تركيزها على هذا الطلب، وأكدت أنه شرط لا تراجع عنه لحدوث التفاوض أو حتى اللقاء بين الرئيسين في نيويورك هذا الشهر. هذا ما شكّل مضمون الاتصال الذي جمع مساء أمس الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ونظيره الإيراني، والذي بدا لافتاً في توقيته. وبحسب وسائل الإعلام الإيرانية، أكد روحاني للوسيط الفرنسي أنه «لا معنى للمفاوضات مع أميركا ما دامت العقوبات قائمة».

لكن الشرط الإيراني لا يبدو مستحيل التحقق بعد اليوم، ولا سيما مع الاستناد إلى الرواية حول أسباب الخلاف المباشر بين ترامب وبولتون، التي نقلتها أمس وكالة «بلومبرغ» الأميركية ونسبتها إلى ثلاثة مصادر، مسبّبة تراجع أسعار النفط 2%. فبحسب هذه الرواية، عارض بولتون أفكاراً نوقشت قبل ليلة من الإقالة في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض، بينها ما يتعلّق بتخفيف العقوبات على إيران لتسهيل عقد لقاء روحاني وترامب وانطلاق المفاوضات.

إسرائيل تنعى «صديقها»: ضربة كبرى لجهود مواجهة إيران

يحي دبوق

إسرائيل تنعى «صديقها»: ضربة كبرى لجهود مواجهة إيران
(أ ف ب )

لم تُخْفِ إسرائيل قلقها جراء «الإشارات السيئة» الواردة من واشنطن، وفي المقدمة إقالة مستشار الأمن القومي الأميركي، جون بولتون، التي يُخشى أن تكون مقدمة لتحول في سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران، حيث يكمن التهديد المركزي للأمن الإسرائيلي. الواضح أن إسرائيل أولاً، ورئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ثانياً، خسرا أهم شخصية داعمة بحماسة للمصالح الإسرائيلية، ليس فقط في ما يتعلق بالمواجهة مع طهران، بل أيضاً بما يرتبط بمصالح تل أبيب الأمنية الإقليمية والدولية، والدفع كذلك باتجاه تصفية القضية الفلسطينية. وإن كان لا ينتظر أن تصدر عن تل أبيب الرسمية انتقادات للرئيس الأميركي دونالد ترامب على خلفية الإقالة، وأن يقتصر الردّ على بيانات الشكر والامتنان لبولتون، إلا أن هذا التطور سيفرض نفسه على المستوى ما دون الرسمي.

الواضح أن إقالة بولتون لم تأتِ فقط على خلفية موقفه «الصقوري» من إيران، وعمله الدؤوب على دفع ترامب إلى المواجهة العسكرية معها، بل هي نتيجة جملة سياسات فاشلة دفع المستشار الرئيس إليها بلا جدوى، بدءاً من فنزويلا مروراً بالصين وأفغانستان وسوريا والعراق واليمن، وصولاً إلى إيران نفسها، أي أنها محصلة لإخفاقات بولتون في أكثر من ساحة. وبناءً عليه، يُعدّ رحيله خسارة مركّبة لإسرائيل ولنتنياهو، سواء جاء على خلفية موقفه المعارض لتوجهات ترامب التسووية مع إيران فقط، أو نتيجة لمعظم مواقفه «الصقورية» التي لم تعد تتماشى مع إرادة ترامب تحقيق مكتسبات غير عسكرية، خصوصاً في ظلّ اقتراب الحملة الانتخابية لولاية ثانية يريدها بلا حروب ومواجهات.

كذلك، يُعدّ رحيل بولتون عاملاً مساعداً ومسهّلاً أمام ترامب لإنهاء معارضة الاستعدادات للقاء مباشر يريده مع الإيرانيين بلا شروط مسبقة، الأمر الذي يخالف جوهر الاستراتيجية التي تتبعها تل أبيب في مواجهة طهران، وهي خنقها اقتصادياً ودفعها إلى الاستسلام. وهذه الحقيقة عبّر عنها الإعلام العبري بعناوين تجلّي منسوب القلق، كما في صحيفة «معاريف» التي كتبت: «في الطريق إلى الاجتماع بروحاني، ترامب أقال بولتون»، وهو نفسه تقريباً في «هآرتس»: «على خلفية التقارب مع إيران، ترامب أقال مستشار الأمن القومي… إنها ضربة تعقب ضربة».

يعدّ رحيل بولتون خسارة مركّبة لإسرائيل ولنتنياهو

من جديد، يتّضح أن السعي الأميركي إلى مجاراة المصالح الإسرائيلية يقف عند حدود المصالح الأميركية نفسها، وإن كانت في جزء كبير منها متطابقة. وهذه المعادلة لا تُستثنى منها حتى إدارة ترامب الأكثر إثارة قياساً بالإدارات الأميركية السابقة، وتحديداً في ما يتعلق بلا استقرار توجهاتها في السياسة الخارجية. وقد كان لافتاً أمس تأكيد ترامب مرة أخرى استعداده للقاء روحاني، بعد ساعات معدودة على ما قال نتنياهو إنه خرق إيراني إضافي للاتفاق النووي، ودعوته إلى ممارسة «ضغط وضغط والمزيد من الضغط» على طهران. واللامبالاة الأميركية في أعقاب حديث نتنياهو، مضافة إلى إقالة بولتون وحديث بومبيو عن الاستعداد لمحادثات من دون شروط مسبقة، هي مؤشرات «كابوسية» لدى نتنياهو. وفي ذلك، تشير «هآرتس» إلى أنه «حتى الأمس (أول من أمس) كان صمام الأمان موجوداً: ما دام بولتون في البيت الأبيض، فهو مؤشّر على أننا لا نتجه لتسوية مع إيران، فهو لن يسمح بذلك. لكن مع الإقالة، الجواب بات واضحاً، والاتفاق النووي 2 في الطريق، وفي توقيت سيّئ وأكثر إشكالية».

الأهم أن انعطافة ترامب لم تأتِ على خلفية إخفاق بولتون، بل بسبب صمود إيران الذي أفشل خطط المستشار، والفارق كبير جداً. وهذه واحدة من أقسى النتائج على الاستراتيجية الإسرائيلية ضد الجمهورية الإسلامية، ومفاعليها ستتجلى في اتجاهين: الأول تزايد ثقة الإيرانيين بأنهم قادرون فعلاً على مواجهة الضغوط مهما عظمت، حتى مع إدارة أميركية مليئة بالصقور والتطرف، وهو ما سينعكس حزماً وثباتاً في المفاوضات المقبلة على الاتفاق النووي الجديد. والاتجاه الثاني يرتبط بالأميركيين أنفسهم، ويتمثل في الوعي الجمعي لدى الطبقة الحاكمة بأن الضغط على إيران لا يثنيها ولا يدفعها إلى التراجع، الأمر الذي سيكون حاضراً في محادثات «النووي 2»، وفي ذلك فشل ذريع لاستراتيجية إسرائيل التي إن لم تستطع النجاح مع إدارة ترامب، فلن يتوقع أحد أن تنجح مع غيرها من الإدارات.

ولا يتعلق «الكابوس» الذي تحدثت عنه وسائل الإعلام العبرية بتداعيات إقالة بولتون على الملف الإيراني فقط، بل أيضاً في ما يتصل بملفات أخرى. وفي هذا الإطار، تدعو «هآرتس» إلى التوقف مليّاً أمام «اللفتات الكريمة» التي توقعها نتنياهو من الإدارة الأميركية ولم تأتِ، فيما تشير «يديعوت أحرونوت» إلى أنه «بخلاف التقديرات التي سُمعت في إسرائيل، بومبيو لم يتطرّق إلى الإعلان الدراماتيكي لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في مسألة فرض السيادة الإسرائيلية على غور الأردن وشمال البحر الميت».

عملياً، سواء بإقالة بولتون أو بتصريح بومبيو، استراتيجية نتنياهو لعزل إيران تضعُف. اجتماع أميركي – إيراني، إذا عُقد، سيوفّر رياحاً داعمة لإيران، حتى لو لم يؤدّ بالضرورة إلى إلغاء فوري للعقوبات. في المحصلة، واحدة من دلالات إقالة بولتون أنها ظهّرت الفشل المعكوس لاستراتيجية إسرائيل، فبدلاً من جرّ إيران صاغرة إلى طاولة التفاوض، ها هي واشنطن تتخلّى عن شروطها لمحادثة طهران، بل إن المفاوضات نفسها باتت مشروطة إيرانياً برفع العقوبات. وبحسب «يديعوت أحرونوت»: «بعد فترة طويلة من التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، بتشجيع من نتنياهو، يبدو أن العلاقات تأخذ الآن مساراً جديداً، ويمكن فقط التساؤل عمّا يريد ترامب منحه للإيرانيين وامتنع بولتون عنه».

«الصقر» الذي لم يُخضِع ترامب

نادين شلق

«الصقر» الذي لم يُخضِع ترامب
قد يكون كلّ من الرجلين نسج تقديراً مغلوطاً في شأن الآخر (أ ف ب )

لم يكن قرار إقالة المستشار الثالث للرئيس الأميركي للأمن القومي، جون بولتون، خارج التوقعات، وذلك بالنظر إلى التطورات الأخيرة في الملفين الإيراني والأفغاني، وما رافقها من تسريبات عن توتّر العلاقة بين دونالد ترامب وبولتون، وتهميش الأول للثاني داخل الاجتماعات. ليس من الواضح من الذي استسلم قبل الآخر؛ فبعد إعلان ترامب الإقالة بـ12 دقيقة، دحض بولتون ادعاء رئيسه بتغريدة مقابِلة قال فيها إنه هو من قدّم استقالته. لكن بغضّ النظر عن المُبادر، يبدو أن الرجلين ارتاح أحدهما من الآخر، وجاءت هذه التغريدات لتضع حدّاً لـ17 شهراً من الخلافات.

قد يكون كلّ من الرجلين نسج تقديراً مغلوطاً في شأن الآخر، بالاستناد إلى إغراءِ توافر نقاط مشتركة تجمع بينهما. ربما اعتمد ترامب في هذا المجال على وصف يُطلَق على بولتون، وهو أنه من «المحافظين الجدد» الذين قد يمهّدون الطريق للرئيس للتقرّب من أطياف أخرى ضمن الجمهوريين. لكن هذا الوصف غير صحيح، وهو ما اتفقت عليه مختلف الأطراف، على اعتبار أن «المحافظين الجدد يزعمون أنهم يدافعون عن توسّع القيم الأميركية، بينما يريد بولتون أن يفرض القوة الأميركية»، على حدّ تعبير ميشيل غولدبرغ في صحيفة «ذي نيويورك تايمز». لفترة طويلة، قبل أن يُعرف ترامب عبر شعار «أميركا أولاً»، وصف بولتون نفسه بأنه «أميركي» يملك نظرة متّقدة للمصالح الوطنية والسيادة. لوهلة أولى، بدا وكأن بولتون مناسب جداً لترامب، فالأخير يزدري بدوره المؤسسات المتعدّدة الأطراف ويعادي العولمة. مع ذلك، فإن بولتون يقدّر مؤسسة واحدة متعددة الأطراف هي «حلف شماليّ الأطلسي» الذي يعتبر ذا ثقل موازن لروسيا، أَطلق عليه ذات مرة «أكثر التحالفات السياسية والعسكرية نجاحاً في تاريخ البشرية». وقد مكّنه الوقت الذي أمضاه في البيت الأبيض من تحريك بعض الاستفزازات في العلاقة مع روسيا، عبر وضع مسار لانسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الأسلحة وغيرها من الاتفاقات العالمية. فضلاً عمّا تقدم، كلا الرجلين قوميان متشددان، يحرصان على تمكين اليمين الإسرائيلي، ويملكان رؤى معادية للإسلام، ويبديان اهتماماً خاصاً بالسعودية.

لكن بولتون، الذي يرفض الاعتراف بأن الحرب على العراق كان غلطة، طالما اعتقد بأن أعداء أميركا الأكثر عناداً هم كوريا الشمالية وروسيا وإيران. وهنا، ظهرت الخلافات الأساسية التي أدت إلى فضّ العلاقة مع ترامب، خصوصاً في ظلّ ميل بولتون إلى المواجهة العسكرية، وتفضيل ترامب عقد الاتفاقات. وقد بدا ذلك جلياً عندما قام بولتون بـ«حملة اللحظات الأخيرة» من أجل ردع الرئيس عن توقيع اتفاق سلام في كامب ديفيد مع قادة حركة «طالبان». صحيح أن بولتون فاز في هذه المعركة السياسية بدفع ترامب إلى إلغاء الاجتماع وتعليق التفاوض، إلا أنه خسر الحرب الكبرى. فقد ألقى مساعدو ترامب، الذين دعموا المفاوضات، باللوم على المستشار في ما يتعلق بـ«التسريبات عن معارضته للاتفاق». فيما نشر خصومه معلومات عن أنه استُبعِد من الاجتماعات. حتى إن جون هادسون قال في صحيفة «ذي واشنطن بوست»، أمس، إن المفاوض الأميركي، زلماي خليل زاد، منع بولتون من الحصول على نسخة من الاتفاق مع «طالبان»، مشترطاً عليه الاطّلاع عليه بحضوره.

كلا الرجلان قوميان متشددان حريصان على تمكين اليمين الإسرائيلي

في ما يتعلق بكوريا الشمالية، لطالما برزت عدائية بولتون في مقاربته لهذا الملف منذ عهد جورج بوش الابن، حين رفع هذا الأخير بعض العقوبات عنها في عام 2008. يومها، بدا بولتون وكأنه يتعرّض لأزمة قلبية. وقد تكرّر ذلك عندما خطا ترامب باتجاه كوريا الشمالية من أجل مصافحة كيم جونغ أون، وعندما تغاضى عن التجارب الصاروخية الأخيرة التي أجرتها بيونغ يانغ. آنذاك، أعرب بولتون عن غضبه، معتبراً أن الولايات المتحدة تقدّم تنازلات في إطار مساعيها إلى تجميد كوريا الشمالية نشاطاتها النووية. أما أبرز المسائل الخلافية بين بولتون وترامب، فهي إيران. طوال سنوات سبقت شغله منصب مستشار الأمن القومي لترامب، دعا بولتون إلى القيام بعمل عسكري ضد الجمهورية الإسلامية. لاحقاً، تشارك مع ترامب نية الانسحاب من الاتفاق النووي، ولكن يبدو أنه لم يقدّم الحلول التي يريدها الرئيس لما بعد هذه المرحلة، حتى ولو تشاركا أيضاً الرغبة في ممارسة سياسة الضغوط القصوى. فقد بدا ترامب أخيراً ميالاً إلى اعتماد مقاربة دبلوماسية تجاه إيران، مبدياً رغبته في لقاء الرئيس حسن روحاني، بل وصل الأمر به إلى حدّ إعلان استعداده لتخفيف العقوبات عن إيران لتسهيل اللقاء، وهو السبب المباشر الذي كان وراء استقالة بولتون، بحسب ما ذكرت «بلومبرغ».

من بين الملفات محلّ الخلاف أيضاً، فنزويلا، التي كان بولتون من الداعين إلى القيام بعمل عسكري ضدها من أجل إجبار الرئيس نيكولاس مادورو على مغادرة السلطة. لكن مع مرور الوقت، بات ترامب يتساءل عن جدوى استراتيجية بلاده هناك، بينما كان بولتون لا يزال يدفع باتجاه المزيد من الضغوط، حتى إنه قال في آب/ أغسطس الماضي إنه «حان الوقت من أجل القيام بعمل ما». ولم يملّ بولتون من المحاولة، فاتجه أخيراً إلى الدول التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفياتي. وفي زيارة لأوكرانيا، وعد بتقديم دعم إلى الحكومة، إلا أن البيت الأبيض لم يلبّ هذا الوعد، حتى إنه أخّر رزمة مساعدات كان يجب أن تُرسل إلى الحكومة الأوكرانية.

لائحة طويلة من «المطرودين»

يشي النمط السائد في الولايات المتحدة منذ نحو ثلاثة أعوام بأن لا أحد غير معرّض للإقالة أو الطرد في عهد رئيس، غالباً ما كانت مقارباته الزئبقية التي تفتقر إلى الصبر ويحرّكها الارتجال تأتي بنتائج عكسية، بغضّ النظر عمّن يعمل معه. فالسابقون في هذا المجال يمثّلون مصداقاً حيّاً على أن أيّ شخص يمكن أن يلحق بهم إلى خارج البيت الأبيض، في أيّ لحظة، أو كما تقول ميشيل غولدبرغ في صحيفة «ذي نيويورك تايمز»، فإن «الكثير من الناس الذين يتورطون مع هذا الرئيس ينتهي أمرهم خارج الإدارة الأميركية مُحرجين، أو في بعض الحالات متهمين». مثال على ذلك، ريكس تيلرسون الذي طالما وُصف بأنه أحد عمالقة التجارة، والذي سيُعرف بعد عمله مع ترامب بسجلّه القصير وغير الفعال أثناء توليه منصب وزير الخارجية. أما محامي ترامب السابق مايكل كوهين، ومدير حملته السابق بول مانافورت، فهما الآن في السجن.

12 مرشحاً لخلافة بولتون

أكدت الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مساء أمس، أن لديه خمسة لخلافة جون بولتون، بعدما

أوردت صحيفة «نيويورك تايمز» أسماء 12 مرشحاً محتملاً لمنصب مستشار الأمن القومي، وهم:

ــ براين هوك، المبعوث الخاص للولايات المتحدة في شأن إيران، ومستشار السياسة الرئيس لوزير الخارجية مايك بومبيو، الذي يحظى بدعم جاريد كوشنر، صهر ترامب ومستشاره.

ــ ريكي وادل، اللواء في احتياط الجيش الأميركي، الذي عمل لمدة عام نائباً لمستشار ترامب للأمن القومي. وغادر وادل الإدارة العام الماضي، وكان قريباً من رئيس أركان البيت الأبيض السابق جون كيلي.

ــ ستيف بيغون، المبعوث الأميركي الخاص إلى كوريا الشمالية.

ــ روب بلير، عُيِّن مستشار الأمن القومي لرئيس الأركان بالإنابة ميك مولفاني، وقد سمح تعيينه لمولفاني بأن يكون له دور في قضايا الأمن القومي من دون الاضطرار إلى الذهاب إلى بولتون.

ــ ريتشارد غرينيل، سفير الولايات المتحدة في ألمانيا.

ــ بيتي هوكسترا، السفير الأميركي في هولندا.

ــ كيث كيلوغ، مستشار الأمن القومي لنائب الرئيس مايك بينس. وهو جنرال متقاعد من الجيش، عمل سابقاً في مجلس الأمن القومي في عهد ترامب، في حقبة المستشار السابق إتش. آر. ماكماستر.

ــ دوغلاس ماكغريغور، العقيد المتقاعد في الجيش الأميركي.

ــ جاك كين، جنرال متقاعد قدّم المشورة إلى ترامب بشكل غير رسمي في شأن مسائل الأمن القومي، بما في ذلك المفاوضات مع حركة «طالبان».

ــ فريد فليتز، رئيس سابق لفريق موظفي مجلس الأمن القومي في عهد بولتون.

ــ اللفتنانت جنرال هربرت رايموند مكماستر، الذي شغل منصب مستشار الأمن القومي قبل بولتون، وأُطيح في عام 2018.

ــ تشارلز كوبرمان (68 عاماً)، القائم بأعمال مستشار الأمن القومي.

الساحة تخلو لـ«الأكثر دناءة»

ملاك حمود

بالكاد، استطاع مايك بومبيو أن يتمالك نفسه بينما كان يقف أمام الصحافيين في البيت الأبيض، وإلى جانبه وزير الخزانة ستيفن منوتشين. ساعات قبل المؤتمر الصحافي أول من أمس، أعلن ترامب استغناءه عن خدمات جون بولتون. بدا بومبيو على هيئة منتصر، وكثيراً ما أقحم ابتسامات عريضة. نادراً ما يعرض هذا الأخير أي عاطفة تتجاوز «الصبر» لدى إجابته عن أسئلة الصحافيين. لكنه، هذه المرة، انتهز الفرصة ليشير إلى خلافاته الكثيرة مع المستشار المُقال، وأنه لم يفاجَأ قَطّ بطرده، من دون أن ينسى الإشارة إلى «شخصية لا نخفي الاشمئزاز الذي تثيره لدينا». وبهدف مقاربة وجهة نظره بصورة أوضح، شدّد الوزير على قربه من ترامب، قائلاً: «نحن نعمل بشكل وثيق مع رئيس الولايات المتحدة».

بدا بومبيو على هيئة منتصر، وكثيراً ما أقحم ابتسامات عريضة (أ ف ب )

ولأن إدارة ترامب تعمل، إلى حدّ كبير، وفق أهوائه، يمكن أحدهم أن يصبح في الدائرة الضيقة للرئيس في غضون أسبوع واحد، وأن يرحل في اليوم التالي. يعيدنا هذا إلى بومبيو. لا شك في أن هذا الأخير أصبح «الطفل الذهبي» لهذه الإدارة. انتزعه ترامب من مجلس النواب، وعيّنه مديراً لوكالة الاستخبارات المركزية حين كان التوتّر بين الرئيس والـ«سي آي إيه» على أشدّه، قبل أن يدفع بريكس تيلرسون خارج وزارة الخارجية من أجل تنصيب بومبيو. لقد نجح «قولاً وفعلاً»، كما وثّقت سوزان غلاسر في «نيويوركر» أخيراً.

مهادِناً حين يتعلّق الأمر بالسياسات التي يروّج لها ترامب، يعرّف بومبيو وظيفته بأنه «خادم الرئيس»، بصرف النظر عمّا يطلبه منه هذا الرئيس. يردّد أن «على وزير الخارجية أن يعرف ما يريده رئيسه». أيّ شيء يقوله ترامب يؤيّده بومبيو. يصفه أحد كبار المسؤولين السابقين في البيت الأبيض بأنه «من بين أكثر الناس تعاطفاً ودناءة من المحيطين بترامب»، وفق ما تنقل غلاسر. وباعتباره آخر عضوٍ في مجلس الأمن القومي الخاص بترامب، كان بومبيو حريصاً على عدم وجود مسافة بين وجهات نظره وآراء الرئيس. قاعدةٌ لم يتمكن بولتون وسلفه هربرت ماكماستر، أو حتى تيلرسون، من ترجمتها.

يُعَدّ بومبيو وبولتون عدوين بيروقراطيين طبيعيين

مع رحيل بولتون، بات بومبيو يجلس في مقعد القيادة حين يتعلّق الأمر بالسياسة الخارجية لإدارة ترامب. إذ إن خروج منافسه الرئيس من الصورة سيعطيه هامشاً أكبر من الاستقلالية والحرية في العمل. تُرك بومبيو وحيداً من دون نظير في فريق ترامب للأمن القومي: وزير الدفاع مارك إسبر تسلّم منصبه منذ أسابيع، ولم يُعيَّن مدير للاستخبارات الوطنية، كذلك لم يُثبَّت مندوب أميركي لدى الأمم المتحدة. من هنا، يرى رئيس مجلس إدارة «مجموعة أوراسيا»، كليف كوبشان، أن إقالة بولتون «تمنح بومبيو مساحةً أكبر للحركة»، على رغم أن الرئيس هو الذي يحدّد السياسة الخارجية. كانت الاختلافات بين بومبيو وبولتون أقلّ أيديولوجية منها تكتيكية، مع وجود فجوة واسعة تفصل بين الطرق التي عبّرا فيها عن آرائهما، إن كان أمام الرئيس أو حتى أمام الجمهور. وفي حين أن بومبيو ليس أقلّ «صقورية» من بولتون حين يتعلّق الأمر بإيران مثلاً، وفق مدير دراسات السياسة الخارجية في معهد «كاتو» جون غليزر، فإن «المفاوضات مع كوريا الشمالية لن تشكل عائقاً كما في السابق، في ظلّ وجود معارضة داخلية أقل».

يعكس صعود بومبيو أيضاً اتجاهاً استمر عقداً من الزمن، حين لم تعد وزارة الخارجية مسيطرة على السياسة الخارجية، مع اكتساب مجلس الأمن القومي نفوذاً واسعاً. كانت لدى بولتون ميزة العمل بالقرب من المكتب البيضاوي وخبرة أكبر بكثير في الفرع التنفيذي بصفته مندوباً سابقاً لدى الأمم المتحدة. ومع ذلك، غالباً ما كان يؤدي دور المُفْسد. في مذكراتها، توضح كوندوليزا رايس سبب عدم رغبتها في تعيين بولتون في وزارة الخارجية أثناء تولّيها المنصب، ولكنّها لم تواجه أي مشكلة في «شحنه» إلى نيويورك. تقول: «لم أكن متأكدة من أنه يمكنني أن أثق بجون… لم أكن أريد مواجهة لاحقاً إذا كان جون متمرداً. ومع ذلك، بدا لي أنه سيكون سفيراً جيداً لدى الأمم المتحدة، حيث تُعدُّ شكوكه حول المنظمة ميزة بالنسبة إلى المحافظين».

يُعَدّ بومبيو وبولتون عدوين بيروقراطيين طبيعيين. آراء بولتون، على رغم كونها متطرّفة، غير أنها تتماشى عموماً مع أفكار المحافظين؛ فهي تمزج نهج التدخل مع الاستعداد لتصعيد الضغط على الخصوم. لقد اقترن ذلك أيضاً بالرغبة في الانخراط في الاقتتال البيروقراطي، الأمر الذي أدى إلى عداوات داخل الوكالات الأميركية، وبين أولئك الذين كانوا يهمسون في أذن الرئيس. كمتلاعب بيروقراطي، اعتاد بولتون أن يصنع الأعداء داخل السلطة التنفيذية، خلافاً لبومبيو. «كان بولتون أيديولوجياً وجلب أيديولوجيته معه إلى وظيفته… قد يكون بومبيو أيديولوجياً أيضاً. لكن أثناء خدمته في الإدارة، فإن أيديولوجيته تتأقلم مع دوره كعامل مساعد»، وفق ستيف بومبر، الذي عمل في وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي أثناء إدارة أوباما.

ليس واضحاً إلى متى سيبقى بومبيو في مدار ترامب. ويُعتقد على نطاق واسع أنه يحمل طموحات للانضمام إلى مجلس الشيوخ. لكن في الوقت الراهن، يبدو موقفه في دائرة الرئيس الضيقة صلباً. يلخّص ترامب الجزء المفضّل لديه من الدينامية مع بومبيو خلال مقابلة مع مجلة «نيويوركر» في تشرين الأول/ أكتوبر 2018، بالقول: «أنا أجادل الجميع باستثناء بومبيو… لا أعتقد أنني تجادلت معه على الإطلاق».

أترك تعليق

لن يتم مشاركة بريدك الإلكتروني مع اي جهة أخرى - الرجاء مراجعة سياسة الخصوصية للموقع