September 27th, 2022

آخر الأخبار

news

أزمة العراق وخارطة طريق الحل/د. محمد حسن سعد

بعيد إحتلال الولايات المتحدة الاميركية للعراق في نيسان/ابريل عام 2003، أعلنت الأولى أنها ستحول العراق إلى واحة للديمقراطية في المنطقة، حيث باشرت في حينه خطواتها العملية لذلك التي أوجزها بما يلي:
1 ـــ تقسيم السلطة محاصصة بين المكونات الطائفية والمذهبية والعرقية، وهذا الأمر أدى إلى تسعير الخلافات الداخلية العراقية، التي أدخلت الحياة السياسية بالفشل الكبير والإخفاق المريع، متخذة أحيانا شكل الإلغاء للآخر بعناوين مختلفة.
2 ـــ كتابة دستور للعراق منتج للأزمات ملئ بالثغرات والفخاخ والمطبات، ويسكن الشيطان في تفاصيله، ويحتمل تفسيرات متناقضة ومتباينة، ما أدى إلى تفجير الوضع الداخلي عند كل إستحقاق أو خلاف وإشتباك سياسي ليأخذ ذلك أبعاد خطيرة تهدد العملية الدستورية برمتها.
3 ـــ إقامة شبكات إقتصادية وإجرامية متعددة الأشكال ذات نفوذ وحضور قوي داخل إدارات الدولة الوليدة، وهذا ما أدى إلى تشويه كبير للبنى والهياكل داخل المؤسسات الحكومية للدولة العراقية ما بعد الإحتلال.
4 ـــ تشريع ثقافة سرقة المال العام، واعتبار ذلك سلوك طبيعياً لمغانم دولة ما بعد الإحتلال.
5 ـــ تهشيم القطاعات الإنتاجية المختلفة مثل الزارعة والصناعية وتحويل النظام الإقتصادي العراقي إلى إقتصاد ريعي يعتمد على النفط فقط، لتسهيل خنقه لاحقاً عند أي تحول في واحة ديمقراطيتها في المنطقة لا ترضى عنه الولايات المتحدة الأميركية.
6 ـــ حل الجيش العراقي والأجهزة الأمنية بحجة إنتماء منتسيبها إلى حزب البعث العراقي، وهذا لم يكن يعبر حقيقة عن طبيعة التشكيلات العسكرية العراقية.
أدت هذه المشكلات البنيوية إلى ترهل مفهوم الدولة، وتراجع قدرتها على السيطرة على الإدارات المختلفة، ناهيك عن تكريس ظاهرة الزبائنية بوصفها جوهر النظام السياسي، ومنها نتجت ظاهرة الفساد التي توسعت لتصبح نمطاً إدارياً ثابتاً عبر عنها بدقة وزير المالية المستقيل في حكومة الكاظمي، علي علاوي، الذي كتب في رسالة إستقالته بتاريخ 18 أغسطس/آب 2022: “أعترف أني لم أتوقع التدهور المروع في معايير الحوكمة في بلدنا على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية. كل شيء تقريباً يتآمر لإحباط التغيير الحقيقي وترسيخ إستمرار الممارسات الفاسدة التي تدمر الأسس الأخلاقية والمادية للبلد”، ثم يضيف: “تعمل شبكات سرية واسعة من كبار المسؤولين ورجال الأعمال والسياسيين وموظفي الدولة الفاسدين في الظل للسيطرة على قطاعات كاملة من الإقتصاد، وتسحب مليارات الدولارات من الخزينة العامة. هذه الشبكات محمية من قبل الأحزاب السياسية الكبرى والحصانة البرلمانية وتسليح القانون وحتى القوى الأجنبية، وإنها تحافظ على صمت المسؤولين الأمناء بسبب الخوف والتهديد بالقوة. لقد وصل هذا الأخطبوط الهائل من الفساد والخداع إلى كل قطاع من قطاعات إقتصاد الدولة ومؤسساتها، ويجب تفكيكه بأي ثمن إذا كان مقدراً لهذا البلد أن يبقى على قيد الحياة”.
بعد إخفاق السيد مقتدى الصدر وعجزه عن تشكيل حكومة أغلبية وطنية مع شركائه والمتحالفين معه من كتل السنة والأكراد، بعيداً عن القوى السياسية المشكلة للإطار التنسيقي، مقفلاً الباب بشكل قاطع لاي توافق تفاهم مع الأخير، أوعز إلى أعضاء كتلته البرلمانية البالغ عددهم 73 نائباً بتقديم إستقالتهم فوراً التي قبلها رئيس مجلس النواب العراقي محمد الحلبوسي، ما طرح عاصفة من التساؤلات عن سرعة قبول الحلبوسي للإستقالات وخلفية هذه الخطوة المريبة. إنسحاب السيد مقتدى الصدر ترك تداعياته على المشهد السياسي العراقي بعيد توسله الشارع سبيلاً لتحقيق أجندته التي روج أنها لمصلحة العراق، محتكراً الحديث عن إمتلاكه الحصرية في توصيف هذه المصلحة، مشككاً بكل الجهود والمساعي التي كانت تعمل لرأب الصدع داخل البيت الشيعي، على الرغم من الإشارات الإيجابية التي أعلنها الكثيرون من قيادات الإطار مثل رئيس تحالف الفتح هادي العامري، ورئيس تيار الحكمة السيد عمار الحكيم، ورئيس إئتلاف دولة القانون نوري المالكي، ورئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض وغيرهم من قادة القوى الساسية العراقية.
وكان لافتاً ما أعلنه صالح محمد العراقي، المعروف بـ”وزير القائد”، والمتحدث والناطق الدائم بإسم مقتدى الصدر وهو شخصية مجهولة وغير معروفة، أن السيد مقتدى الصدر يمكن أن يعلّق عمل لجنة تنظيم الإحتجاجات، وأن يترك للشعب الإحتجاج كما يريد، وفي هذا الإعلان، تهديد واضح بأن أتباع مقتدى الصدر ومن يناصرهم سيقومون بما يريدون دون قيادة مباشرة، ولذلك فليس من المتوقع وليس من المستبعد أن تتسع دائرة أهدافهم لتشمل مؤسسات حكومية جوهرية في جنوب العراق بشكل خاص، مثل المعابر الحدودية مع إيران، والمنشآت النفطية، والموانئ والمطارات والقصور الرئاسية في بغداد، وإقامة إعتصامات في كل محافظات الجنوب.
وبالفعل هذا ما حصل، لكن بفارق بسيط وهو ان االسيد مقتدى الصدر لم يعلق عمل لجنة تنظيم الإحتجاجات بل أعلن إعتزاله النهائي للعمل السياسي، وإغلاق المؤسسات التابعة له، ما عدا 3 مراكز خاصة بأسرته، موقف الصدر هذا جاء بعد أن أعلن المرجع السيد كاظم الحائري إعتزاله عن التصدي للمرجعية وهو الشخصية المعروفة بقربها وإلتصاقها الكبيرين بالشهيد السيد محمد الصدر والد مقتدى الصدر، خطوة الأخير أطلقت العنان للفوضى في الداخل العراقي التي بدأت تتصاعد من خلال المظاهر المسلحة لميلشيا لسرايا السلام التابعة له، والتي إعتدت على الممتلكات الخاصة واستباحت المؤسسات العامة في خرق واضح للقانون الذي كان يستحضره مقتدى الصدر في خطاباته للحديث عن الإصلاح والتغيير الذي يجب أن يحصل في العراق.
إن تهشيم مؤسسات الدولة في العراق وتخريبها وانفلات الصراع الداخلي فيه يخدم مشروع الفوضى المنظم والمخطط أميركياً، فما يحصل اليوم على الساحة العراقية يشبه إلى حد التمام مشاريع الفوضى والثورات الملونة التي رعتها الولايات المتحدة ومولتها لتحقيق أهدافها المدمرة، ما يدخل السيد مقتدى الصدر وميلشيا سرايا السلام في دائرة الشبهة والإرتباط بمشاريع خارجية أميركية ومن دول عربية مجاورة للعراق (يكفي أن يلقي المراقب نظرة على وسائل إعلام عربية معروفة كانت تصب زيتها على نار الفتنة في الداخل العراقي من خلال ترويجها للأخبار الملفقة والكاذبة، هذه الوسائل الإعلامية التي عرفت بأدوراها المشبوهة في أحداث اخرى جرت في دول عربية تحت مسمى الربيع العربي) تعمل على إبقائه في دوامة الصراع الداخلي والتخريب الدائم لمنع قيامته واستعادة مكانته الطليعية.
ان الخروج من النفق المظلم الذي أُدخل فيه العراق، يستوجب خارطة طريق تتخلص بما يلي:
1 ـــ رفض الإحتكام إلى الشارغ ولغته، وانهاء المظاهر المسلحة من المناطق العراقية التي تنتشر فيها ميليشيا سرايا السلام، واخلاء كافة المؤسسات والمقرات الحكومية من المعتصمين داخلها، والتي يؤدي استمرارها إلى نتيجة واحدة وهي الفوضى والتخريب التي لا تخدم العراق وشعبه وقيامته.
2 ـــ التأكيد على دور المرجعية الرشيدة التي تتمثل بسماحة المرجع الديني الاعلى اية الله السيد علي السيستاني الذي جنب العراق الكثير من الفتن، والذي يعول عليه لانهاء هذه الفتنة الدهماء، التي يريد اعداء العراق من وراء تسعيرها تجزئة وتقسيم العراق وادخاله في صراعات دامية طويلة.
3 ـــ رفض التدخلات الخارجية التي تسعر الفتنة الداخلية وتدخل العراق في المجهول.
4 ـــ إحترام الموسسات الدستورية القائمة سيما مجلس النواب كونه يشكل رافعة من المفترض أن يؤدي دوره للخروج من الأزمة.
5 ـــ رفض الشروط والشروط المضادة والمسبقة، والإبتعاد عن الإعتقاد بان طرفاً بعينه يمتلك الحقيقة دون غيره، والتخلي عن مشاريع الإلغاء للآخر، لان هذه المشاريع مدمرة للعراق.
6 ـــ إحترام القضاء وقراراته باعتباره ملاذاً لتطبيق القانون وتطبيق العدالة والقانون وفرض النظام العام.
7 ـــ تشكيل حكومة سريعاً يكون على عاتقها التركيز على مكامن الوهن في الدولة العراقية، وتطبيق حل مستدام وثابت وراسخ يعيد إنتاج الحياة الساسية بشكل حقيقي، لأنه لم يعد جائزاً إدخال العراق في متاهة التسويات التقليدية التي تعيد إنتاج الأزمة تلو الأزمة، لأن بقاء العراق على حالته لا يخدم دور العراق المهم والمتقدم له في المنطقة والعالم الإسلامي.

أترك تعليق

لن يتم مشاركة بريدك الإلكتروني مع اي جهة أخرى - الرجاء مراجعة سياسة الخصوصية للموقع