آخر الأخبار

لبنان مسرح التناقضات وساحة الصبر

news

كتبت ليلى عماشا

دعنا من اللّوحات الإعلانية التسويقية التي تصوّر لبنان على أنّه البلد العجائبي سواء لقرب بحره من جباله أو للعيش المشترك بين طوائفه.. فأطفال المرحلة الإبتدائية يعلمون أن لا عجب في كلتا الميزتين.. وإن كانت إطلالة على كتاب جغرافيا العالم تظهر أن لا إعجاز في أن تتجاور البحار والجبال، فلمحة على غالبية شعوب الأرض وأممها تحوي تعدّدًا اثنيًا وقوميًا وعرقيًا وطائفيًا.. إذن، في البداية نحن متفقون على سذاجة الطرح المذكور حول هذا التميّز، وعلى سطحية من يتبنّوه، وربّما كذبهم!

هي إطلالة على لبنان الحقيقي.. البلد العالق بين الدولة والكيان، والذي يفتقد إلى كلّ المقوّمات والمعايير التاريخية والإجتماعية التي تجعل من الممكن له أن يكون وطنًا. وهنا، دعنا أيضًا من تجميل الصراعات الداخلية فيه وتسميتها زورًا بالصراعات السياسية أو حتى الطائفية.. فهي ليست كذلك على الإطلاق، وإن تزّينت مقدماتها بشعارات فارغة كالشراكة الوطنية والعيش المشترك وكل مرادفتهما البالية.. الصراعات التي نشهدها ونعيشها وتدخل في أدق تفاصيل يومياتنا هنا، هي انعكاسات لإنقسام حاد وواضح. إنقسام يبدأ في السلّم القِيمي الذي يحكم حركة الجماعات والأفراد، ولا ينتهي في المنظومة الأخلاقية التي بها تقاس المواقف لدى كل جماعة أو بيئة تتواجد ضمن أرض لبنان. وحين نتحدّث عن انقسام على هذين المستويين، يصبح بديهيًا أن يمتد الفالق ليطاول المفاهيم الكبرى والتي يشكّل التوافق عليها حجر الأساس لبناء أيّ مشروع أو مؤسسة، فكيف ببناء دولة مثلا! أزمة المفاهيم والإنقسام حولها تبدأ من تحديد معنى أو دلالة بديهيّات مفترضة كالعدوّ والمقاومة ولا تنتهي بتحديد مفهوم الخيانة فكلّ هذا في لبنان يحمل تعريفات وتأويلات مختلفة، مختلفة حدّ التناقض. وبالتالي، يحوّل هذا التناقض الإنقسام إلى صراع وجود.. صراع وجود حقيقي وجذري مهما حاولت مختلف الأطراف، وبخلفياتها المتناقضة تمويهه أو تجميله لصالح ما يُسمى بالعيش المشترك.
في لبنان، يعيش من يباهي بعلاقته بالصهاينة ومن سقى تراب البلاد بدمه كي لا يزيل عنه رجس الإحتلال الصهيوني..
في لبنان، يعيش من استباح دماء الفقراء ومن دافع عنهم بدمه.. ويعيش من يطالب المستعمِر بإدارة البلاد علنًا وأيتام من استشهد ليرحل المستعمر وأدواته.. وفي لبنان، مشاهد كثيرة، لن يكون آخرها سيدة تستنكر بفعل فجيعتها أن يطاول بيروت انفجارًا وتتساءل لماذا لم يفجرّوا في الجنوب، على اعتبار أنّ من المقبول أن يستشهد أولاد الجنوب مثلًا وأنّ غيرهم أحقّ منهم بالحياة..

تتسارع وتيرة الصراع عالميًا، ومعها يزداد الضخ التحريضي ضد المقاومة في لبنان، المقاومة التي انتصرت على الأميركيين حين استخدموا الأداة الصهيونية وحين استخدموا الأداة التكفيرية، والتي انتصرت ألف مرة في منع إنزلاق البلاد إلى صراع محلّي دمويّ.
في الرابع من آب، حلّت على بيروت كارثة لم تتكشّف بعد كلّ خيوطها، شهداء وجرحى ومفقودين ودمار وركام ووجع عابر للطوائف وللطبقات الإجتماعية.. إلّا الإنقسام، لم تعبره الكارثة.. بل سارع الطرف المسيّر أميركيًا فيه والذي كان يدعو قبل مدة لما يُسمّى بالحياد -والحياد على الطريقة اللبنانية حديث طويل- إلى استثماره ضد الطرف الحرّ، أي المقاومة.. نعم، ثمّة طرف لم يخجل منذ اللحظة الأولى من طرح دم الناس على طاولة الإستثمار، والمزايدة، والإتهام الغبيّ الذي لا يستند إلى أيّ واقع! طرف جيّش جمهورًا من المنتفعين ومن السذج الحاقدين إلى ترداد شعارات اتهامية تحمّل المقاومة مسؤولية انفجار مرفأ بيروت، دون أي اعتبار للعقل وللمنطق وللوقائع وحتى للأخلاق..
هنا، كشف الوسطيون عن أنياب تطرّفهم ضدّ الحق، تحوّلوا جميعهم إلى طرف واحد، طرف يردد ببلاهة أمنيته بتركيب سيناريو يصح فيه تحميل المقاومة وزر الفاجعة التي في عداد موجوعيها الكثير الكثير من ناس المقاومة وبيئتها.. اصطف أصحاب المصلحة في العداء للمقاومة طابورًا واحدًا بوجه ما يسمّونه “فائض القوة” والذي هو في الحقيقة فائض حبّ واحتواء.. أرادوا جرّها إلى ردّ يلائم رغبتهم بالمزيد من الدم.. فما رأوا منها ومن سيدها إلّا الإحتواء الصادق والحريص كلّ الحرص على الجميع..

وبعد، عن أيّ عيش مشترك نتحدّث؟ عن أي شراكة وطنية؟ وكم ستصمد الصيغة اللبنانية المتمثلة بلا غالب ولا مغلوب تحت سقف متصدّع، يسنده بكلّ روحه الأممية حزبٌ قويّ نقيّ مدعوم بالحق وبأشرف الناس فيما يمعن الطرف الآخر الملوث بالسفالة وبالعمالة وبالارتزاق في رشق السقف بوابل من التحريض والتعبئة الحاقدة وكلّ ما يمكن تخيّله من مظاهر العداوة، العداوة الحقيقية.. لم يعد يمكن تسمية الأمر انقسامًا.. هو صراع حقيقي وتاريخي وحتميّ بين الخير والشر، بين الحق والباطل، بين القِيم العليا والمصالح الدنيئة.. هذه المفاهيم لا تتعايش، ولا يمكن أن تكون شراكتها حقيقة صلبة مهما طال تأجيل انفجارها.. لا يعني ذلك دعوة إلى استعجاله، إنما بشكل أو بآخر إضاءة على حقيقة تقول أن صاحب الحق سلطان قويّ، وما ترفعّه عن المبادرة لإلغاء الآخر إلا دليل حكمة، حكمة سيلمسها الجميع، يومًا ما.

أترك تعليق

لن يتم مشاركة بريدك الإلكتروني مع اي جهة أخرى - الرجاء مراجعة سياسة الخصوصية للموقع