آخر الأخبار

الأحداث الكبرى لا تقع صدفة

news

لا أملك معطيات لا تقنية ولا علمية حول اسباب إنفجار مرفأ بيروت، ولن أستبق نتائج التحقيقات الأمنية والقضائية التي ربما لن تسفر عن ملامسة كبد الحقيقة، إلا أن ما أعرفه ويعرفه غيري أن الاحداث الكبرى لا تقع صدفة، والتجربة ممتدة على دهور تشي بذلك، فلم تكن الحرب العالمية الأولى والثانية محض صدفة، وكل الأحداث التي تلتها مرورا بتفكك الإتحاد السوفياتي واحتلال العراق للكويت ومن ثم إخراجه منها ومن ثم تشظي البلقان، وصولا الى أحداث الحادي عشر من أيلول فاحتلال العراق وصدور القرار ١٥٥٩ واغتيال الحريري فحرب تموز وأحداث الربيع العربي.
الثابت الوحيد في الأحداث الكبرى فضلا عن أنها لا تأتي صدفة، فهي تغطي على الأحداث الصغرى وتساهم في إعادة تركيب المشهد الجيوسياسي في المسارح التي تستهدفها، وفقا لقياس أيدي الشر التي تفتعلها، ولطالما وقف الإستعمار الغربي والصهيوني خلفها مباشرة أو مواربة.
إذن ليس صدفة أن يحصل ما حصل أول من أمس في مرفأ بيروت، لأنه أصاب أهدافا عدة في محاولة لإرباك حسابات المقاومة، في مقاربة المخاطر التي تستهدفها على أكثر من صعيد وفي ظل أزمات عنيفة يواجهها البلد إن على مستوى استفحال وباء كورونا، بالتزامن مع أزمة اقتصادية ومالية ومعيشية قاتلة وعقوبات وحصار مالي واقتصادي لا سابق له، وعدوان اسرائيلي مستمر مترافق مع تهديدات بوقوع حرب قد تتدحرج الى حرب مفتوحة.
كانت الأنظار مشدودة حتى الأمس القريب إلى الجنوب، في ظل تحضير المقاومة لعملية رد على العدو في أعقاب اغتيال الشهيد علي محسن في محيط العاصمة السورية، وقد عاش العدو أياما عصيبة أصابته بالهستيريا وهو ينتظر على حافة الهاوية، حتى دخل في فوبيا الكوابيس المرعبة.
وكان الأمر يترافق داخليا مع حملة ممنهجة على حزب الله يقودها أزلام الغرب، في ظل التحضير ليوم النطق بحكم المحكمة الدولية في السابع من آب وتوجيه الإتهام المباشر للمقاومة باغتيال الحريري واستغلال الأمر بطريقة بشعة، ليتقاطع ذلك مع كل أنواع الحروب التي تشن على حزب الله دوليا وعربيا.
كان لا بد من حدث يسبق كل ذالك ليؤسس كما ذكرنا الى إعادة تركيب المشهد في لبنان. فما هي النتائج المباشرة لما حصل.؟
أولا: أجل سماحة الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله خطابه الذي كان سيلقيه مساء أمس الإربعاء، والذي كان كما جرت العادة سيتضمن كلاما مهما ورسائل بالغة للقريب والبعيد وللصديق والخصم والعدو معا، وكان سيبنى على كلام سابق له، توعد فيه بخطوات في غاية الأهمية لمواجهة الخنق الاقتصادي، كان أشار إليها ودعا من يعنيهم بكلامه أن يحللوا كيفما شاؤوا، وفي ذهن السيد نصرالله كم كبير من الإجراءات التي باتت جاهزة لتحريكها في ساعة صفر كانت آتية لا محالة.
ثانيا: يعتقد البعض في تل أبيب وفي غيرها من العواصم الغربية والعربية وحتى في الداخل أن الحدث قد أربك حسابات المقاومة في الرد على العدو، وربما هذه مقاربة صحيحة إلى حد ما، إذ سيبدو أي حدث مهما كان نوعه، صغيرا أمام الحدث الكبير. لكن المقاومة عودتنا أن أجندتها لطالما كانت حساباتها مستقلة تماما.
ثالثا: ليس صحيحا أن تأجيل قرار النطق بالحكم يخدم المتهمين، كونه سيضمر أيضا أمام الحدث، لأن حزب الله ومنذ زمن طويل، قال ويقول إن الأمر لا يعنيه لا من قريب ولا من بعيد. بل إن التأجيل يخدم مشروع للأعداء في الداخل والخارج، لأنه كان سيصدر في وقت، المقاومة فيه في أوج قوتها واستعداداتها وجهوزيتها على الجبهات كافة، وأن أخصامها في أوج ضعفهم وتشتتهم، رغم كل المحاولات التي بذلها الأميركيون والغرب ودول عربية، للملمة شتات ما يسمى ب١٤ آذار. كان من شأن النطق بالحكم أن يمر ببعض مشاغبات الشارع وحفلة زجل سياسي.
رابعا: كان لا بد من حدث كبير يسبق كل ذلك لإعادة مشهد يوم إغتيال الرئيس الحريري، وهذا يتضح بالآتي:
١- مسارعة جنبلاك للقاء الحريري سريعا بعد الانفجار في بيت الوسط وهذا له دلالة في لحظة أمنية حساسة وما راقها من جولة لسعد الحريري في الوسط.
٢- تسعير الحملة على العهد بشكل غير مسبوق سياسيا وإعلاميا ومحاولة الإيحاء بمسؤولية المقاومة والعهد عما حصل.
٣- مسارعة رموز ١٤ آذار وعلى رأسهم رؤوساء الحكومات السابقين إلى المطالبة بتحقيق دولي، على غرار ما حصل في اعقاب اغتيال الحريري وهذا أيضا دونه دلالات لناحية الذهاب بلبنان لوضعه تحت الوصاية الدولية.
٥- في ظن هؤلاء أن الوقت الفاصل بين الحملة المسعورة على المقاومة ومحاولة لصق ما حصل بها، والثامن عشر من آب الموعد الجديد للنطق بالحكم، يكون المسرح قد اكتمل لإثارة الفوضى واستكمال عدة الشغل الخاصة لجعل هذا الموعد مناسبة كبيرة تتكامل مع الحدث الكبير، فتسقط المقاومة بيدها.
لكن ماذا عن المقاومة.؟
برهنت التجربة مع المقاومة أنها كما أسلفنا تعمل وفق برامجها خصوصا في ما يتعلق بالمواجهة مع العدو، كما تعمل وفق حساباتها في مواجهة الاستحقاقات الداخلية الداهمة، وأن أي حدث مهما كبر وعظم لن يفت في عضدها، ولن يزحزحها قيد أنملة عن إرادتها في المبادرة والإمساك في زمام الأمور، وأن في عقلها الإستراتيجي ما يتجاوز أحداثا جساما ولو كان بحجم حرب عالمية أخرى.
إذن هذا الأمر محسوم وأن أحلام البعض ستبقى في واقع رؤوسهم الصغيرة وأحجامهم المتقزمة. فقبل الإنفجار ليس كما بعده صحيح إلى حد كبير، وأن الآتي مهما كان خطيرا إلا أنه سيحمل معه مزيدا من القوة والجهوزية للمقاومة، ما سينعكس تغييرا في الواقع لصالحها وصالح البلد. فحذار أن يذهب المتوهمون الى تعليق مشانقهم بأيديهم فتأخذهم العزة في الإثم فيصبحوا على ما فعلوه نادمين.

أترك تعليق

لن يتم مشاركة بريدك الإلكتروني مع اي جهة أخرى - الرجاء مراجعة سياسة الخصوصية للموقع